Monthly Archives: September 2008

بورسعيد: في جدل المدن المخلوقة من العدم

إعادة تشكيل الجغرافيا، تلك هى الفرضية الأساسية التي لجأ إليها قاسم مسعد عليوة راصدا بها التطور التاريخى لمدينة بورسعيد المصرية، والتي تكتسب شهرتها عربيا من كونها المدينة التي صاغت بمقاومة أبنائها(الفدائيين) في عام 1956 إحدى اللحظات المؤسسة في خطاب الدولة الناصرية في حربها ضد الإستعمار.وكحال معظم الكتابات (في العلوم الاجتماعية أو الإنسانيات) التي تتناول “سيرة أي مدينة عربية”،فإن الطابع الرومانسى يظل صاحب الكلمة الأولى في المعالجة، فكتاب مسعد عليوة هذا يحمل عنوانا ينتمي إلى عالم الشعر “بورسعيد المدينة الإستثناء”، أكثر من كونه ملائما لعالم التحليل الثقافي، فيصف المدينة مثلا بأنها “تقع خارج الأطر” وعمارها ” لا يعرف غير التنامي و الازدهار”، الخ من الصياغات اللغوية التي تضفي ريبة على المضمون أكثر من إضفاء الشرعية على مقولاته وفرضياته Continue reading
Advertisements

>الرجل الغربى يبحث عن البطولة فى قمع النساء أيضا

>

The London Feminist Network’s march 
بقلم: أحمد زكي عثمان

 الاحد 7 أيلول (سبتمبر) 2008

سيجد قطاع “عريض نسبيا” من ناشطات الحركة النسائية العربية(المصرية على وجه التحديد) أنفسهن في مأزق فعليّ في حال إقدام إحداهنّ-بقراءة تعليقات “اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المراة” بالأمم المتحدة – على تقرير الحكومة البريطانية بخصوص تطبيقها لنصوص مواد اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة(أو السيداو) الصادرة عام 1979. 
تعليقات اللجنة تحيل –في ظنّي- إلى عدم صلاحية مصطلح “الرجل الشرقيّ” الذي طالما استخدمته ناشطات الحركات النسائية لتفسير واقع المرأةالعربية وما تعانيه من قهر، ذلك أنّ هذا القهر- ممثلا في أنماط مختلفة من التمييز وأشكال متعددة من العنف- لا يعدّ منتجا خالصا تنفرد به الدولة العربية ورجالها، بل ينسحب أيضا على الدولة الغربية التي لا تزال تحتفظ بطابع أبويّ مؤثّر في بنيتها.
الأمور نسبية بالطبع، ولا يستطيع عاقل أن ينكر حجم الهوّة التي تفصل الدول الغربية وتقاليدها السياسية والاجتماعية التي أنجزتها خلال قرون من أجل ترسيخ المساواة كحقيقة اجتماعية، وبين واقع بلدان عربية تتسابق فيما بينها على توفير أقصى درجات القهر بالنسبة للمواطنات من النساء.
لكن على الرغم من هذه الٌهوة، فإنّ قراءة التقرير البريطانيّ الذي عرض في الدورة الأخيرة للجنة القضاء على التمييز ضدّ المرأة- وردّ فعل خبراء/وخبيرات اللجنة حياله – يدفع بالتفكير في طبيعة مساحات الاتفاق (وليس الاختلاف هذه المرة) بين نساء الغرب ونساء الشرق. ولم لا؟ فأجساد النساء واحدة هنا وهناك، والعنف الواقع على هذه الأجساد يظلّ واحدا، رغم اختلاف لون بشرة من يمارسه.
تعليقات اللجنة تمثل ضربة للخطاب الذي يولى أهمية كبرى للاختلافات الثقافية –أو بتعبير أدقّ خطاب النسبية الثقافية- في تفسير العنف ضدّ النساء، ويعطي من ناحية مقابلة أولوية للصوت “النسويذ” الذي راهن على أحادية قضايا النساء بغضّ النظر عن التمايزات التي يمكن أن تنشأ بينهن عرقيا واجتماعيا وطبقيا.
كما تعطى تعليقات اللجنة درسا للنظم والمجتمعات العربية، مفاده أنّ قضايا النساء هى قضايا تنتمي لعالم السياسة والسلطة، فقمع النساء وممارسة التمييز ضدّهن يعدّ خيارا سياسيا في المقام الأول يستهدف الحفاظ على أشكال الهيمنة والسيطرة كما هي دون تغيير.
اللجنة قالت مثلا إنّ بريطانيا خرقت عناصر أساسية في اتفاقية إلغاء كافّة أشكال التمييز ضد المرأة، وهى العبارة الأكثر قسوة حينما توجه إلى دولة تعدذ – عن جدارة- مخترعة النظام الديموقراطيّ.
أوجه خرق بريطانيا للاتفاقية تتمثل في غياب استراتيجية وطنية شاملة لمحاربة جميع أشكال العنف ضدّ النساء، خصوصا مع إدراك أنّ جرائم العنف ضد النساء تمثل المصدر الرئيسيّ لعدم المساواة في المجتمع الحديث.
يضاف إلى هذا أنّ حكومة العمّال منذ وصولها إلى سدّة الحكم بزعامه تونى بلير في 1997 (ثم لاحقا بزعامة جوردون براون) لم تحقّق إنجازا كبيرا على صعيد جعل مؤسسات الدولة أكثر حيادية تجاه “النوع الاجتماعيّ”، ومن ثمّ تظلّ نجاعة إجراءاتها الموجّهة للقضاء على العنف تجاه النساء محلّ شكّ.
مؤشّرات ذلك متعدّدة، فهناك تفشّ للجرائم الأشدّ خطورة ضدّ النساء والممثلة في الاغتصاب، حيث يقع في البلاد سنويا نحو 80 ألف حالة اغتصاب سنويا.
ويكشف هذا العدد المهول من جرائم الاغتصاب عن هشاشة واضحة لمدى إنفاذ السياسات العامة في البلاد، فالجهاز القضائيّ لا يحقّق بكفاءة في بعض حالات الاغتصاب، وهناك حالات متعددة لإفلات الجناة من العقاب، فضلا عن النقص الحادّ في الخدمات المقدّمة لضحايا هذه الجرائم عبر مراكز الإيواء.
وهناك مؤشّر آخر يتعلّق بالتمييز الواقع على النساء المنحدرات من أقليات عنصرية أو عرقية أو دينية، والقيود المفروضة أمامهنّ في الحقّ في العمل، والحقّ في الأجر المتساوي، والحقّ في عدم الفصل التعسّفيّ، فضلا عن ارتفاع نسب البطالة بينهن، وصولا إلى التمييز في الحقوق السياسية (الترشّح مثلا) والعنف المضاعف عليهن.
ولا تنتهي قائمة العنف ضدّ النساء في بريطانيا على هذه الانتهاكات، فهناك أيضا جرائم العنف المنزليّ والعنف ضدّ الأطفال واتّساع نطاق حالات الاتّجار في النساء.
لكن إحقاقا للحق فالنظر إلى طبيعة تقرير الحكومة البريطانية يحثّ على التفكير في بعض فضائل هذه النظم التي ما فتئت القوى الإسلامية تنعتها بالعدوّ، وعلى إدانتها لأنّها تعرض النساء كسلعة ولا تحفظ لهن كرامة.
بريطانيا قدمت في عام 2004 مثلا واحدا من أفضل القوانين الأوربية تقدما في مجال العنف المنزليّ، من حيث أدوات الحماية والدعم المقدّم للضحايا، فضلا عن تأسيسه لمحاكم خاصة بالعنف المنزليّ.
خرج هذا القانون إلى العلن بفعل جدل سياسيّ طويل، دفع حكومة حزب العمال لأن تعتمد القانون كخطوة من عملية إعادة هيكلة “الدولة” وصيغتها المؤسسية لدفع عجلة المساواة في البلاد للامام.
جزء من هذه الهيكلة حدث في العام الماضي عندما خاضت بريطانيا نقاشا حثيثا حول مدى نجاحات “اللجنة المعنية بتكافؤ الفرص” التي أنشئت وفقا لقانون شهير صدر في منتصف سبعينات القرن الماضى، وهو قانون “التمييز على أساس الجنس 1975″، والتى ألغيت لصالح لجنة جديدة هى “لجنة المساواة وحقوق الإنسان” التي أسّست بموجب قانون المساواة 2006 (دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2007).
هذه التطوّرات على صعيد تصميم سياسات عامة تراعي حساسية النوع الاجتماعيّ تختلف جذريا عن نمط السياسات السائدة في العالم العربيّ، حيث الأجهزة التي صمّمت لخدمة قضايا النساء موجّهة أساسا لمخاطبة الفضاء الخارجيّ (للحصول على التمويل)، ومخاطبة الفضاء الداخليّ (لسحب البساط من تحت أقدام المعارضة).
والنتيجة انه لم يعد من المجدي مخاطبة المؤسسات والأجهزة التي خلقتها الحكومات العربية من أجل تقديم كشف حساب حول نجاحها أو فشلها على صعيد تحقيق المساواة، فهي في النهاية مؤسسات تابعة للسلطة تدور معها وجودا وعدما.
في مصر مثلا يزعم النظام الحاكم أنه خطا بعيدا باتّجاه تحقيق المساواة بين الرجال والنساء، فمنح النساء أخيرا حقّ أن يكُنّ قاضيات، وعدّل البيئة التشريعية من أجل السماح لهن بتطليق أنفسهن، فضلا عن أنه منح النساء الحقّ في منح جنسيتهن لأطفالهن.
دروس التاريخ والسياسة تقدم لنا العظة والحكمة وراء هذه الإجراءات، فالنظام الحاكم في مصر لم يقدم على هذه الخطوات إلا بعد عقود من تراكم المطالب بصددها، فضلا عن انّه سلك نفس السبيل الذي راهنت عليه الدولة الناصرية من الاعتراف الشكليّ ببعض حقوق النساء، ثم إجهاض هذه الحقوق في التفاصيل والممارسة.
في النموذج البريطانيّ، ومثاله تقرير لجنة المرأة بالأمم المتحدة، مسلك مختلف، هم يدركون حجم ما تمّ إنجازه، ويختلفون في كيفية معالجة الثغرات والنقائص الموجودة.
وفي ردود الأفعال الواسعة على تقرير لجنة المرأةبالأمم المتحدة لم يقف التيار العام في البلاد ليقول إن تحفظات اللجنة على تقرير حكومتهم تدخل في الشئون الداخلية لبريطانيا ، ولم يكن هناك رد عنصرى النزعة يتهم خبراء وخبيرات اللجنة (وكثير منهم/منهن من دول العالم الثالث) بتجاوز الحدود في نقد دولة خرجت من رحمها حركات المناداة بالمساواة بين النساء والرجال.
لقد تمحورت ردود الأفعال في تفنيد تحفظات اللجنة وتقرير الحكومة والدخول في سجال سياسيّ حول مسئولية حزب العمال عن هذا الوضع (مقابل حزب المحافظين).
من جملة ردود الأفعال هذه كانت اندفاعة نحو 40 ناشطة نسوية بريطانية، اللاتي وجّهن رسالة مفتوحة في أوائل أغسطس الماضي لرئيس الوزراء جوردون براون بخصوص سياسة حكومته تجاه قضية جرائم الاغتصاب الجنسى في البلاد.
كان مما تضمّنه الخطاب التركيز على دور الدولة على صعيد مناهضة هذه الجرائم (شرطة لديها حساسية للنوع الاجتماعيّ، تبسيط إجراءات التقاضي، أسلوب أكثر كفاءة لملاحقة الجناة)، فضلا عن رسم خطة لدور الدولة في مرحلة ما بعد الجريمة عن طريق تقديم تمويل أكبر للمؤسسات المعنية بأزمات الاغتصاب.
تستحقّ هذه الرسالة في حدّ ذاتها وقفة، ذلك لأنّها مصاغة بطريقة مستقلة للغاية، تراهن على حيادية المؤسسة الحاكمة ولا تراهن على درجة انفتاح هذا الشخص أو ذاك.
يضاف إلى هذا أنّ الرسالة جمعت بصورة أو بأخرى أيقونات الحركة النسائية البريطانية، منهن ثلاث من الصحفيات ملأن الحياة ضجيجا وهنّ ديبوا اور التي طالما انتقدت أوضاع النساء المسلمات في بريطانيا، وبولي توينبي(حفيدة المؤرخ أرنولد توينبى) التي دأبت على إرجاع العنف والتمييز ضد المرأة إلى الأديان عموما، وهناك كيرا كوشرين محرّرة صفحة المرأة في جريدة الجارديان.
حملت هذه الرسالة تأكيد أنّ المساواة صيغة غير مكتملة، هي نداء لخلق حقيقة “نضال اللحظة” من أجل شروط حياة أفضل. إنها استفتاء على تفاصيل هذا النضال وليس على مشروعيته من عدمه.
في تعليقات اللجنة وردود الأفعال حول التقرير البريطانيّ لم يتمّ ذكر “الرجل” على الإطلاق(اللهم إلا في التأكيد على البرامج التي تستهدف توعية الرجال بحقوق النساء)، وبدلا من هذا جرى ذكر البنية الأبوية للدولة، والصراع المحتدم ضدّ السياسات العامّة التي لا تراعي قضية النوع الاجتماعيّ.
في سياق مثل هذا، لا يتأخّر النضال بفعل مفردات لغة الانطباعات الشخصية والآراء التي تعزز من دونية النساء. فهذه اللغة -رغم وجودها- إلا أنها لا تشكل التيار الغالب ولا يتم تفعيلها في سياق أطر قانونية مثل عالمنا العربيّ.
بكلمات أخرى، أحيل بين النساء وبين منصّات القضاء مثلا في بعض من بلادنا بسبب كون المرأة عاطفية، وهو سبب لا محل له من الإعراب، إلا أنه كان ولا يزال القانون غير المكتوب الذي تراهن عليه السلطة للحيلولة أمام جلوس المرأةعلى منصة القضاء.
القانون غير المكتوب هو الذي أنتج لنا واقعا هشّا للحركة النسائية العربية، فالناشطات اللاتي خرجن من عباءة الدولة لا يستطعن التأثير على صنع القواعد القانونية، واولئك الذين فضّلن العمل في النشاط الأهليّ بتقديم الدعم الماليّ للأرامل وإعادة انتاج التنميط بتعليم النساء مهنة التريكو، يرفضن الدخول إلى عالم السياسة أو مساءلة سياسات الدولة فيما يتعلق بالنساء.
الواقع العربى يقول إنّ المشكلة تكمن في “الرجل الشرقيّ”، فهو كائن متعال عن الزمان والمكان له سمات وخصائص محددة يعيش بها ولا يرغب فى التخلص منها، ويبدو بصيص الأمل الوحيد المتاح -ليس البحث في إصلاح الرجل الشرقيّ- وإنما ترديد مصطلحات من عينة سيكولوجية الرجل الشرقيّ وعقلية الرجل الشرقيّ كمفسّر لحالة اللامساواة في المجتمعات العربية.
اختزال قمع النساء والهجمات عليهن في مصطلح “الرجل الشرقيّ” ليس فقط مضيعة للوقت، ولكن أيضا مضيعة للحقوق.
إذا كان مصطلح “الرجل الشرقيّ” هو المسئول عن العنف والتمييز ضد النساء، فمن ثمّ وجب علينا أن ننتظر قرونا حتى يتحول الشرقيّ إلى الغربيّ ومن ثمّ تصبح الدنيا وردية بالنسبة للنساء.
في “كن صديقي” وهي قصيدة لشاعرة عربية لها حظّ كبير من الشهرة هى سعاد الصباح، سبق لمطربة لبنانية لها جمهورها (أي ماجدة الرومي) دعوة لـ “الرجل الشرقيّ” بأن يكون صديقا، فهذه الصداقة ليست انتقاص للرجولة “غير أنّ الرجل الشرقيّ لا يرضى بدورٍ/غير أدوار البطولة”.
في تعليقات اللجنة على التقرير البريطانيّ تحفّظ ما على هذه القصيدة، فالرجل الغربيّ يتشارك مع نظيره الشرقيّ في البحث عن أدوار البطولة من خلال قمع النساء وقهرهنّ .