القضاء وحرية التعبير: حكم مصادرة ألف ليلة وليلة

 

محكمة آداب القاهرة
حكم باسم الشعب
 بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الاحد الموافق 19/5/1985
برئاسة السيد الاستاذ / أحمـد الحسينى                             رئيس المحكمة
وحضور الاستاذ / جمال عزت                                       وكيل النيابة
                              وعمر حسن محمد                           أمين السر
في القضية رقم 1142 سنة 1985 آداب القاهرة
ضد (الناشر) : حسين محمد صبيح

المحـكـمة

بعد الاطلاع على الاوراق وسماع المرافعة الشفوية

من حيث إن النيابة العامة قد اتهمت المتهم بأنه في يوم 4/3/1985 بدائرة قسم الجمالية محافظة القاهرة . 1- صنع وحاز بقصد الاتجار والتوزيع والعرض مطبوعات منافية للآداب العامة مؤلف ” ألف ليلة وليلة ” ومؤلف ” تسهيل المنافع ” وذلك على النحو المبين بالأوراق . 2- استعمل الاكلاشيهات المضبوطة في نشاطه الإجرامي سالف الذكر كما أن المطبوعات المضبوطة تعد حيازتها أو بيعها أو عرضها جريمة على النحو المبين بالأوراق وطلبت عقابه بمقتضى نص المادتين 30،178/1 عقوبات المعدلة بالقانون 29 سنة 1982.

وحيث ان واقعة الدعوى – حسبما يتبين من محاضر الضبط والتحقيقات وسائر الاوراق – توجز فيما أثبته الرائد على السبكي بإدارة رعاية الاحداث في محضر الضبط المؤرخ 4/3/1985 الساعة 45،5م من ورود معلومات تفيد قيام مكتبة ومطبعة محمد على صبيح وأولاده الكائنة بميدان الازهر بالقاهرة بطبع وترويج نسخ من كتاب ألف ليلة وليلة تحوى قصصا وألفاظا خادشة للحياء وخارجة عن الآداب العامة ، وأنه بإجراء التحريات السرية حول هذه المعلومات تبين صحتها حيث حصل على نسخة من الكتاب المذكور بشرائها من المكتبة سالفة الذكر الكائنة بالعقار 180 وقف خيرى بميدان الأزهر، وبفحصها تبين له أنها تحوى قصصا وألفاظا وصورا مرسومة مخلة بالآداب العامة وخادشة للحياء ومنافية لأخلاق المجتمع المصري مما يدعو النشء للانحراف والفساد ويقع تحت طائلة نص المادة 178 عقوبات تبين له ان مدير ومالك المكتبة والمطبعة هو حسين محمد صبيح وأن طبع هذه النسخ يتم في داخل المطبعة الموجودة بالمكتبة المذكورة وأنه توجد كميات كبيرة من هذه النسخ بمخازن المكتبة بنفس العنوان والنسخة مكونة من أربع مجلدات وأنه قد تحرر محضر تحريات بذلك في 4/3/1985 الساعة 9 ص عرض على السيد الاستاذ / مدير نيابة الآداب بالقاهرة حيث أذن في ذات التاريخ الساعة 11 ص بتفتيش مكتبة ومطبعة المتهم لضبط جميع النسخ الموجودة من مؤلف ألف ليلة وليلة وضبط جميع ما يخالف نص المادة 178 عقوبات وكذا ضبط جميع الاكلاشيهات الخاصة بطبع ذلك المؤلف وجميع النسخ الموجودة منه من جميع أماكن التوزيع سواء المكتبات او الباعة وكذا ضبط المتهم وأضاف انه نفاذا لهذا الإذن توجه الساعة 1،30 م نفس اليوم بصحبة قوة حيث تقابل مع المتهم داخل المكتبة حيث احاطه علما بشخصيته ومأموريته وقام بضبط أربع نسخ من الكتاب موضوعة على أحد الأرفف بالمكتبة واصطحبه الى المخازن حيث تم ضبط عدد 1890 كتاباً بداخل المخزن الواقع بداخل المكتبة كما اصطحبه الى حجرة حفظ الاكلاشيهات حيث تم ضبط 1280 اكلاشيه خاص بطبع كتاب ألف ليلة وليلة وأنه أثناء التفتيش بحثا عن نسخ الكتاب المطلوب ضبطه استدعى انتباهه كتاب عنوانه تسهيل المنافع وبتصفحه تبين أنه يحوى فصولاً فى أوقات الجماع وكيفيته وضرره وقام بضبط 175 نسخة منه وانه بسؤال المتهم قرر له انه يقوم بطبع كتاب ألف ليلة وليلة ولا يعلم ان به شيئا مخلا بالاداب ولا توجد تعليمات بعدم طبعه وهو من كتب التراث القديم وان كثيرا من المطابع تقوم بطبعه وبيعه.

وإذ باشرت النيابة العامة تحقيق الواقعة في 5/3/1985 اثبت المحقق اطلاعه على نسخة من كتاب ” ألف ليلة وليلة” المضبوط وكذا كتاب ” تسهيل المنافع ” وتبين ان كل منها يحوى العديد من الألفاظ والعبارات المنافية للآداب وحيث سئل المتهم قرر انه يقوم بطبع كتاب ألف ليلة وليلة ولا يعلم انها منافية للآداب إذ انها من التراث وانه لم يقرأ ذلك الكتاب وعلل ما هو موجود في الصفحتين 34،35 من الجزء الاول بأنها طبعة قديمة وانه عدلها من نسخ اخرى كما ان كتاب تسهيل المنافع من كتب التراث أيضا.

وحيث انه بجلسة المحاكمة 31/3/1985 شرحت النيابة العامة ظروف الدعوى وطلبت توقيع أقصى العقوبة على المتهم ومصادرة النسخ والاكلاشيهات المطبوعة وقدم وكيلها صورة ضوئية لصفحات من مؤلف ألف ليلة وليلة الصادر عن دار ومطابع الشعب والمركز العربي الحديث للنشر والتوزيع وبرقية مرسلة من المواطن احمد عبد اللطيف العباد ومقالة الكاتب عبد اللطيف فايد بجريدة الجمهورية. وحضر الاستاذ / فريد السيد حجاج المحامي وقرر انه يدعى مدنيا قبل المتهم بمبلغ 51 جنيه على سبيل التعويض المؤقت لما أصابه من أضرار أدبية وشرح ظروف الدعوى وصمم على طلباته وانضم إليه آخرون. كما حضر المتهم بوكيل عنه وشرح ظروف الدعوى ودفع بعدم قبول الادعاء المدني لانعدام الضرر المباشر وقدم حافظة مستندات وطلب ندب خبير في الدعوى بصفة احتياطية وأصليا ببراءة المتهم مما اسند إليه. والمحكمة قررت حجز الدعوى للحكم بجلسة 21/4/1985 مع التصريح بتقديم مذكرات لمن يشاء في أسبوع وقد وردت الى المحكمة خلال الأجل المضروب مذكرة من النيابة العامة صممت فيها على طلباتها وكذا مذكرة من المدعى بالحق المدني صمم فيها عن طلباته مذكرة من وكيل المتهم صمم فيها على الدفع المبدى منه وعلى براءة المتهم واحتياطيا ندب خبير في الدعوى.

وحيث ان المحكمة قررت مد أجل الحكم لجلسة اليوم لاستكمال الاطلاع. وحيث انه عن موضوع الاتهام فقد نصت المادة 178ع المعدلة بالقانون رقم 29 سنة 1982 في فقرتها الاولى على ان يعاقب بالحبس مدة لا تزيد  على سنتين وبغرامة لا تقل عن 20 جنيه ولا تجاوز 500 جنيه او بإحدى هاتين العقوبتين، كل من صنع أو حاز بقصد الاتجار او التوزيع أو الإيجار أو اللصق او العرض مطبوعات او مخطوطات أو رسومات أو اعلانات او صورا محظورة او منقوشة او رسوما يدوية او فوتوغرافية أو إشارات رمزية او غير ذلك من الاشياء او الصور عامة اذا كانت منافية للآداب العامة. وأركان هذه الجريمة إثنان الاول الركن الحادث والثاني الركن المعنوي، والركن المادي يتكون من عنصرين أ- فعل مادي وهو احد الافعال الواردة على سبيل التمثيل بالنص ومنها 1. صناعة وتغيير عمل او خلق وكذا التقليد او النقل عن شيء آخر لأي من الاشياء المذكورة في النص.2. الحيازة بقصد الاتجار لأي من الاشياء المذكورة في النص وبذلك يخرج عن نطاق النص  الحيازة لذات الشخص وبصفة خاصة له دون غيره من الافراد أي كانت صلته بهم والحيازة هنا تكون للإتجار وتتحقق الحيازة حتى ولو لم يتم البيع فعلا طالما انها كانت بقصد الاتجار. 3. التوزيع وهو النشر او الاذاعة او اعطاء الاشياء المذكورة بالنص للغير بغير تمييز حتى ولو كان بالمجان ويتم التوزيع حتى ولو لم يوجد إلا عدد واحد يسلم لشخص واحد.

 ب. ان يكون ما سبق من افعال منافية للآداب العامة ويعد انتهاكا لها والمقصود بانتهاك حرمة الشيء هو تناوله بما لايحل والذهاب بما له من حرمة كذلك هو نقض العرض وتتحقق انتهاك حرمة الآداب العامة بإتيان الفعل المادي ماسا بأسس الكرامة الادبية للجماعة. وأركان حسن سلوكهم ودعائم سموها المعنوى ويمثل هذا الانتهاك الاستهانة بالمبادئ الاخلاقية وتقويض القواعد التي تواضعت عليها الجماعة وقضى بأن الاداب العامة ترادف الحياء وتشمل بدون شك كل ما من شأنه حفظ كرامة الشعب والمساعدة على حسن سلوكه ورقى اخلاقه وهي بذلك تتضمن قواعد النظام العام الذي هو العلاقة الظاهرة على وجودها ٌنقض جلسة 11/6/1910 المجموعة الرسمية 11 ص 288 و” تقدير ذلك يخضع لقاضي الموضوع في ضوء العادات الشائعة وتقاليد البيئة الاجتماعية وعلى هدى من مستوى الاخلاق العامة بحيث يكون المرجع هو النظر الى الشعور العام في البيئة الاجتماعية والركن المعنوى او القصد الجنائي في هذه الجريمة هو قصد عام يكفى لشواذه مجرد ارتكابه الفعل المادي مع الاحاطة بمدى مخالفته للاداب العام ٌ يراجع الموسوعة الشاملة في الجرائم المخلة بالآداب العامة للاستاذ/ معوض عبد التواب طبعة 1983 ص 272وما بعدها ٌ.

وحيث انه لما كان ما تقدم وقد اسندت النيابة العامة للمتهم انه صنع وحاز بقصد الاتجار والتوزيع والعرض مطبوعات منافية للآداب ٌ مؤلف الف ليلة وليلة وتسهيل المنافع ٌ كما انه استعمل الاكلاشيهات المضبوطة في نشاطه الاجرامي سالف الذكر وحيث ان المحكمة قد تبينت من الاطلاع على نسخ مؤلف الف ليلة وليلة المضبوطة بحوزة المتهم انها تحوى العديد من الروايات عن كيفية اجتماع الجنسين ووصف الشذوذ بين النساء ومع الحيوانات وألفاظ جنسية سوقية بذيئة مخلة بالاداب العامة في الجزء الاول الصفحات من 33 الى 35، 72،128، 148، 153، 154، 167، 182، 183، 265، 285، 286، وفي الجزء الثاني صفحات 110،247، 248، 313، وفي الجزء الثالث صفحات 211، 246، 248، 315، 316، وفي الجزء الرابع صفحات 5، 63، 64، 92،97، 213، وذلك على سبيل المثال كما تبين للمحكمة أن كتاب تسهيل المنافع قد ورد فيه من الصفحات رقم 114 الى 120 تفصيلات عن الجماع وأوقاته وكيفيته.

وحيث ان دفاع المتهم قد انصب على ان الكتاب الاول الف ليلة وليلة من كتب التراث التي يقوم بطبعها منذ أمد طويل وانه لم يضف اليها او يحذف منها شيء باعتبار ان التراث يجب المحافظة عليه ونشره كما هو وحجته في ذلك ان الكتاب مطبوع بطريقة التصوير الزنكوغراف نقلا عن النسخ الحكومية وليس مطبوعا بطريقة تجميع الحروف بدليل خط الاكلاشيهات الخاصة بها.

وحيث ان ما ذهب اليه دفاع المتهم يتناقض مع ما قرره المتهم بتحقيقات النيابة العامة اذ قرر المتهم بالتحقيقات عند مواجهته بالألفاظ البذيئة الواردة في الصفحتين 34، 35من الجزء الاول بأنها طبعة قديمة وانه عدلها من نسخ اخرى وقد تبينت المحكمة من الاطلاع على سائر النسخ المضبوطة بحوزة المتهم ان هناك طبعتين من الجزئين الأول والرابع فبالنسبة للجزء الاول عدل المتهم حال الطبع حكاية الحال مع البيانات الواردة بالصفحات من 31 الى 35 وحذف منها الالفاظ السوقية البذيئة وان كان هذا الجزء قد تضمن سائر الالفاظ والروايات المخلة بالآداب الاخرى سالفة البيان. وبالنسبة للجزء الرابع فقد عدل المتهم الصفحة رقم 213 بحذف ابيات الشعر الفاضح التي وردت في نهاية الليلة 946 وان كان قد احتفظ ببقية ما تضمنته الطبعة السابقة من ألفاظ خارجة بذيئة وروايات جنسية منافية للآداب العامة.

وحيث انه لما كان ذلك كان المتهم يحاج بأن النسخ المضبوطة لديه من مؤلف ألف ليلة وليلة وقد قام بنقلها عن الأصل وان هذا المؤلف من التراث الذي لا يملك الاضافة اليه او الحذف منه وقد ثبت للمحكمة من واقع النسخ المضبوطة خلاف ذلك وان المتهم قد قام بالحذف بعد ان تبين له منافاة بعض الالفاظ للآداب وفقا لما قرره بالتحقيقات فإن مقولة الحفاظ على التراث تكون دفاعا واهيا أراد بها المتهم دفع الاتهام عن نفسه ونفى الجريمة قبله رغم ثبوتها في حقه.

وحيث ان المحكمة وهي في سبيل اقامة قضائها في هذه الدعوى تقرر انه ايا كان وجه الرأي في مؤلف ألف ليلة وليلة وقيمته الادبية فإن ذلك يخرج عن اختصاص هذه المحكمة ويتجادل فيه أصحاب الرأي ويكون مجاله الندوات الادبية اما اختصاص هذه المحكمة فيتحدد بالطبعة المضبوطة من ذلك المؤلف وما اذا كانت هذه الطبعة تحوى عبارات وألفاظ منافية للآداب العامة من عدمه.

وحيث ان المحكمة تنوه الى ان كون كتاب معين من التراث لا يرقى به الى مصاف الكتب المقدسة التي لا يجوز المساس بها او التي تجعله يتأبى على القانون طالما طرح للتداول بين الناس وبدون تمييز ولقد نجحت شرطة الاحداث ونيابة الآداب فيما ذهبا اليه من المطالبة بإعمال حكم القانون على النسخ المضبوطة منذ سنين عديدة بعض دور النشر التي قامت بتهذيب وتنقيح مؤلف ألف ليلة وليلة من الشوائب بشطب العبارات التي تخدش الحياء من هذه النسخ وطبعتها طبعات نظيفة طرحت في الأسواق أليس أدل على ذلك ما ورد في مقدمة مؤلف ألف ليلة وليلة طبعة دار الشعب التي تولى إعدادها الكاتب رشدى صالح: عهدت الى دار الشعب أن أتولى اعداد مجموعة ألف ليلة وليلة لتصدر في طبعة جديدة تستطيع ان تدخل كل بيت فيقبل على قراءتها من لم يقرأها من الآباء ويجد فيها الابناء حكايات ممتعة ذات قيمة ويجد فيها المثقف ما يغريه بأن يضمها الى مكتبته ويحتفظ بها ضمن مراجعه ولست أستكثر على ألف ليلة وليلة أن تصل بطبعاتها الجديدة الى هذا المستوى لكن حظ ألف ليلة لم تكن دائما على هذا القدر من الاهتمام الجاد فما أكثر ما هبطت بها الطبعات التجارية والاذواق السوقية الى حيث اعتبرتها مجموعة من الحكايات المثيرة او الفاضحة التي يقرؤها الصغار – خلف ظهور آبائهم – والتي لا ينبغي لمثقف يحترم ثقافته ان يطيل النظر فيها وساعد على هذا الهبوط ظهور بعض الاعمال الخطية الرديئة التي نسبها اصحابها الى ألف ليلة وليلة وهي أبعد ما تكون عنها سواء في مغزاها او تكوينها او مستواها الفني.

وأما بالنسبة لنشر ألف ليلة وليلة عن المطابع العربية فكانت طبعة بولاق لها عام 1256هجرية ثم كانت طبعة بيروت عام 1881 ثم توالت طبعاتها في قرننا العشرين تحكمها سوق التجارة فلا تخلو من اخطاء مطبعية كثيرة ولا تسلم من تزييف في اسماء الاعلام ولا تخلو كذلك من الاضافات التي أظن انها ادخلت عليها، او زيدت لاثارة شهية القارىء كما يظن الناشرون. ولكن هبوط الطبعات التجارية واضطرابها قد قابله في اوربا ظهور طبعات جيدة وكتب مستندة الى قصص ألف ليلة ممتازة في طبعاتها وترجمتها وكان ذلك سببا يدعو المعنيين بالتراث الشعبي الى الاسف. وعندما عهدت الى دار الشعب بإعداد هذه الطبعة رأيت ان احافظ قدر الاستطاعة على الروح الاصيلة فلا أحذف من الحكايات – بغرض الاختصار – ولا اعيد تنسيق وتبويب النوادر بغرض التركيز بل اترك القصة تتنوع الى النوادر تستطرد الى الثقافة الجانبية وقد اسقط بعض عباراتها وألفاظها التي تخدش الآداب وهذا وحده مدار الحذف وكذلك ايضا، ما ورد في طبعة المركز العربي الحديث للنشر والتوزيع من مؤلف ألف ليلة وليلة من تنويه في مقدمة الجزء الاول، تمت مراجعة قصة ألف ليلة وليلة بمعرفة المركز العربي الحديث للنشر والتوزيع وتم استئصال الألفاظ غير المهذبة التي كانت تحتوى النسخ القديمة، كما تم تهذيب الاسلوب بحيث يكون في متناول الفهم مع مراعاة احتفاظ القصص بجاذبيتها المعروفة “.

وحيث انه لما كان ما تقدم وكانت النسخ المضبوطة من مؤلف ألف ليلة وليلة قد طبعت واعدت للبيع للجمهور – ولم تكن نسخ محفوظة في احدى المكتبات العامة لتكون تحت يد الباحثين المتخصصين في شؤون التراث والمؤرخين للحركة الادبية بما مرت به من مراحل تطور فإن المحكمة والحال كذلك تقرر ان هدف المتهم من طبع ونشر هذا المؤلف بصورته – التي ضبطت نسخه –والذي يحوى العديد من روايات كيفية اجتماع الجنسين والالفاظ الجنسية الصريحة السوقية البذيئة والاشعار المكشوفة الفاضحة وليس هو نشر التراث بل هدفه تحقيق اكبر عائد من الارباح الشخصية مستغلا في ذلك اسم التراث وليس ادل على ذلك قيامه بطبع طبعتين مختلفتين من نفس المؤلف وفقا لما سلف بيانه وكذلك الحال بالنسبة لكتاب تسهيل المنافع.

وحيث أنه لما كان ذلك وكانت محكمة النقض قد قضيت بان: ” الكتب التي تحوى روايات لكيفية اجتماع الجنسين وما يحدثه ذلك من اللذة كالأقاصيص الموضوعة لبيان ما تفعله العاهرات في التفريط في اعراضهن وكيف يعرضن سلعتهن وكيف يتلذذن بالرجال ويتلذذ الرجال بهن، هذه الكتب يعتبر نشرها انتهاكا لحرمة الآداب وحسن الاخلاق لما فيه من الاغراء بالعهر خروجا على عاطفة الحياء وهدما لقواعد الاداب العامة المصطلح عليها. والتي تقضى بان اجتماع الجنسين يجب ان يكون سريا وان تكتم اخباره ولا يفيد في هذا الصدد القول بان الاخلاق تطورت في مصر بحيث اصبح مثل تلك الكتب لاينافى الاداب العامة استنادا على ما يجري في المراقص ودور السينما وشواطئ الاستحمام لأنه مهما قلت عاطفة الحياء بين الناس فإنه لايجوز للقضاء التراخى في تثبيت الفضيلة وفي تطبيق القانون” نقض جلسة 26/11/1933 الطعن 2481 لسنة 3م مجموعة الربع قرن ص 292.

وحيث انه لما كان ما تقدم فإن التهمة تكون ثابتة قبل المتهم مما ورد بمحضر التحريات وتأيد بواقعة الضبط وتأكد مما حوته النسخ المضبوطة لديه وكذا الاكلاشيهات وقيامه بطبع طبعتين مختلفتين من المؤلف الواحد اسقط من احداها الألفاظ المخلة بالآداب. ومن ثم تقضى المحكمة بإدانته عملا بنص مادة الاتهام والمادة 304/2.أ.ج.

وحيث انه في مجال تقدير العقوبة فإن المحكمة تقضى بتوقيع اقصى عقوبة الغرامة على المتهم وتستعمل الرخصة المخولة لها قانونا في القضاء بها بدلا من عقوبة الحبس مراعاة لكبر سن المتهم وعدم سابقة ضبطه في وقائع مماثلة، كما تقضى بمصادرة كافة النسخ المضبوطة لديه من مؤلف ألف ليلة وليلة وتسهيل المنافع وكذا الاكلاشيهات المضبوطة عملا بنص المادة 30 من قانون العقوبات مع إلزامه بالمصروفات الجنائية.

وحيث انه عن الدعوى المدنية وقد طلب المدعى بالحق المدنى القضاء له بالتعويض المؤقت قبل المتهم عن الاضرار الادبية التي أصابته من جراء نشر المتهم للعبارات والالفاظ المخلة بالاداب في مؤلف الف ليلة وليلة.

فإنه لما كان من المقرر أنه يشترط لقبول الدعوى المدنية امام المحاكم الجنائية أن يكون الضرر المطلوب التعويض عنه ناشئا مباشرة عن الفعل المكون للجريمة المرفوعة بها الدعوى الجنائية. اما اذا كان ناشئا عن فعل آخر فلا تصح المطالبة بتعويضه امام المحاكم الجنائية ٌنقض17/12/1945 الطعنة 1495 لسنة 15 ق ص 602 قاعدة /15 ٌ.

وان القرار الذي يصلح اساسا للمطالبة بتعويض امام المحاكم الجنائية يجب أن يكون ناشئا مباشرة عن الجريمة فإذا كان نتيجة لظروف خارجة عن الجريمة ولو متصلا بواقعتها فلا تجوز المطالبة بتعويض عنه امام تلك المحاكم سواء بطريقة تدخل المجني عليه في الدعوى المقامة من النيابة او برفعها الدعوى مباشرة فيه. “نقض 20/3/1944 الطعن 475 لسنة 14 ق ص 602 قاعدة /63”. فإنه لما كان ذلك وكان المدعى بالحق الذي لم يصبه ضرر مباشر عن الفعل المكون للجريمة المنسوبة للمتهم – وهي صنع والحيازة بقصد الاتجار للمؤلف المضبوط – دائما الضرر المدعى به قد نشأ عن قراءة المدعى بالحق المدنى للطبعة التي أصدرها المتهم والتي تحوى عبارات وألفاظا منافية للآداب ومن ثم فإن دعواه المدنية قبل التهم تكون غير مقبولة امام المحاكم الجنائية وتقضى المحكمة بعدم قبول الدعوى المدنية وبإلزام رافعها المصروفات ومبلغ خمسة جنيهات مقابل اتعاب المحاماة.

 

فلهـذه الاســباب

حكمت المحكمة حضوريا اعتباريا اولا بتغريم المتهم خمسمائة 500 جنيها ومصادرة النسخ والاكلاشيهات المضبوطة والمصروفات الجنائية. ثانيا عدم قبول الدعوى المدنية والزمت رافعها المصروفات ومبلغ خمسة جنيهات مقابل اتعاب المحاماة.

موضوعات مرتبطة: عن الجنس والعفة: هامش على ألف ليلة وليلة

 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s