في ذكر أطياف وأخبار عن الموت قلقا ورعبا وحرقا

الصورة من ويكيبيديا

تعد حادثة قطار الصعيد التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثمائة وخمسين مسافرا الأسوأ من نوعها في تاريخ السكك الحديدية المصرية أي منذ أكثر من مئة وخمسين عاما.

(المصدر بي بي سي)

كانت الأيام أيام عيد (الأضحى)، و لا أدرى لماذا تحول العيد في زمننا هذا إلى لحظة “حزن عميقة”. متشحة أعيادنا بالسواد إذن. وكان كذلك ذلك العيد الذي مر عليه عشر سنوات.

في أحد الأيام السابقة على ذلك العيد، كان اليوم تحديا هو الأربعاء. حمل تاريخ 20 فبراير 2002. في الصباح المبكر من ذلك اليوم، كنت مع طقسي اليومي. الاستيقاظ مبكرا للغاية في جو يدندن فيه الراديو بمفرده. فجأة تسمرت جميع حواسي حين التقطت أذناي عبارة “قطار متجه إلى صعيد مصر”.

كان سؤالي: ما الذي يدفع بالبي بي سي في وقت الصباح أن تذكر قطار وصعيد مصر. الموجة كانت ضعيفة لكن  على كل حال وبعدج دقائق جاء موجز الأخبار حاملا معه الفاجعة: “عدد من القتلى في احتراق قطار”. لا أذكر العدد الأول للضحايا، لكنه لم يكن بالمئات. كان المكان هو العياط، وهى بلد لم أزرها من قبل، ولكنها علقت في ذهني من رحيل بعض أبناء بلدتي إليها وإلى شقيقتها مدينة الصف. انتهى الموجز، وقمت بدوري بتقليب مؤشر الراديو. لا توجد أخبار من مصر من إذاعاتها “العظيمة”.

المهم أن الحظ لم يعاكسني، سيل التحديث فى بي بي سي لم ينقطع. وكلما جاء تحديث كانت الفاجعة تنمو رويدا رويدا، أعداد الموتى فى تزايد مستمر.

فجأة، أتاني صوت أحد الأصدقاء ممن يشاركوني في الشقة، قال “أختك على التليفون”. كان هذا حوالي الساعة التاسعة  صباحا، هكذا دونت في كراسة اليوميات الصغيرة،  لم يكن لدى هاتف محمول ، لحظتها ألقى على  الصديق محاضرة قصيرة عن جدوى التليفون المحمول، خصوصا من أجل أن  يطمئن أهلي على إذا قررت الأحداث الغريبة أن تسطر نفسها في مسار التاريخ.

 بالطبع لم يكن هناك وقت للتفكير في جدوى التليفون المحمول من عدمه، فالأهم هنا هو أن أرد على أختي التي قالت بلهجة آمرة أنه لا داعي لأن أسافر لأرى الأسرة في العيد.

لاحقا، شاهدت بعض من صور الحادثة، على مقربة من القطار توحدت كل مظاهر الشواء، قطع اللحم البشرية ملقاة على أرضية عربات القطار، لقد حالت قضبان القطار دون أن تمنحهم فرصة لمواصلة الحياة.

صور الجماجم المتفجرة من شدة الحرارة وشدة النيران أبلغ من أى حديث عن أهوال يوم القيامة. كانت التجربة في النهاية هي عملية قتل جماعي عن طريق الحرق. محرقة نازية مصغرة ولكن بدون هتلر. البعض أكرمته الحياة لينفد بجلده من بين عربات و شبابيك القطار المتهالكة، والآخرون أعطتهم شهادة “حرق في قطار الصعيد”.

تحتفظ الذاكرة ببعض المشاهد المتفرقة هنا و هناك، كبقايا لذكر ما جرى فى قطار الصعيد. مشهدى الأول عندما ركبت القطار متوجها إلى أسرتي، ، لم يكن قطار الناس الغلابة، على الرغم من أنى كنت بحاجة إلى أن أتتبع بعض خطوات الذين رحلوا في قطار الحرق، كان قطار رقم (996)، أشهر قطار على خط الصعيد،  يخرج كعادته من محطة الجيزة في العاشرة والثلث تقريبا.

وللأسف الشديد ضاعت تذكرة هذه الرحلة (لا أزال أحتفظ ببعض ما تيسر من تذاكر السفر إلى بلدي). في القطار وجدت “أورطة” من الأمن. وجدت من ينهرني قائلا “ممنوع التدخين”. راكب آخر تم منعه من دخول دورة المياه أثناء توقف القطار في أسيوط.

المشهد الثانى كان فى صلاة الجمعة في البلدة. حين رفع رجل صوته عاليا في الدعاء بالقول “اللهم أرحم شهداء “القطر”.

في منطقة التجنيد كان المشهد الأخير مما تبقى من الذاكرة من تفاصيل حادثة “قطار الصعيد”، كان قد مضى على الحادثة 5 شهور. وكان الحزن يعتصر الناس فأقاربهم وجيرانهم لقوا حتفهم في الحادثة. وقف بيننا ملازم، ينهر هذا وذاك. وينعت “المؤهلات” بأبشع الأوصاف.

تحول عنا الضابط قليلا، ليوجه كراماته، أقصد بذاءاته إلى جيش آخر من “العادة”.  بدأ يشرح لهم بعض الأمور، ولكن أمطرهم جميعا بضعف مما ألقى علينا من شتائم و بذاءات. كان هناك “مجند” قذر يحاول أن يتصنع تفهمه لغضب الباشا “الملازم”، خصوصا و الملازم يردد عمال على بطال كلمة “البقر أولاد البقر” على مجموعة مترامية من غير الحائزين على الشهادات العلمية. من حسن حظنا، أو يمكن أن تقول بسبب الظلم الواقع على ” العادة”،  انزوينا نحن أصحاب الشهادات في ركن به بعض الظل ،بينما وقف “العادة” تحت لهيب شمس يوليو.

تحولت الجلاليب  وكأنها قطعة قماش مغمورة في المياه. لا أدرى لماذا تحتفظ الذاكرة بهذه التفاصيل. لكن المهم أن شابا من “العادة” تقدم ناحية الملازم، لم تكن خطواته تعبر إلا عن إنسان يتملكه الرعب من ذلك المتجبر الواقف تحت المظلة. تقدم الشاب نحو الملازم الذي سأله بدوره شاخطا  (انتى يا بنى آدم عايز إيه؟).

لحظتها التفتنا جميعا لنعرف ما الذي يزعج الباشا. وشاهدنا الشاب وهو يقول بصوت مبحوح “الأستاذ اللي هناك قالي أقول لسعادتك إن ليا أخويا مات –الله يرحمه- في قطر الصعيد”. بعد هذه الجملة ضرب الصمت حصارا على معسكر التجنيد. انتظرنا رد “الباشا” والذي جاء لأول مرة خاليا من الغلظة ليقول وفي نبرته شيء من الرقة ” طب تعالى هنا على جنب”.

رحم الله  شهداء محرقة قطار الصعيد

جزء من سطور كتبتها عام 2003 في الذكرى الأولى للمحرقة

هامش:

ربما كان الموت حرقا هو الإنجاز الأسوأ فى تاريخ البشرية المكتوب. في بلادنا لم يكن قطار الصعيد هو طقس الموت حرقا الوحيد ،فقد لحقته بأعوام محرقة بنى سويف عندما حرقت أجساد أخرى داخل المسرح.  

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s