مسئولية القطار

الصورة من جريدة التحرير

مساء يوم الأحد (22 يناير) وافق أهالي قرية “الكوم الأحمر” التابعة لمركز فرشوط في محافظة قنا على فض اعتصامهم أمام مزلقان السكة الحديد لتعود  حركة القطارات في الاتجاهين القبلي والبحري إلى طبيعتها بعد توقف مؤقت.

هذا الاعتصام هو الأخير في سلسلة نادرة تاريخيا من عمليات إيقاف حركة قطارات السكة الحديد. فخلال شهر واحد فقط تعددت حالات تجمهر العشرات أو المئات على قضبان القطارات سواء في الوجه البحري أو القبلي احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية.

الظاهرة بدت مقلقة ولا شك. فتكرر إيقاف القطارات يكبد الدولة خسائر بالملايين، حسبما يردد عادة هاني حجاب رئيس هيئة السكك الحديدية.

ولا يوجد مبرر منطقي لهذا الشكل الاحتجاجي حسب عبارات رئيس الوزراء كمال الجنزوري الذي عجز عن كظم غيظه مرة وهدد بتطبيق مواد قانون العقوبات على من يعطل حركة القطارات!.

يبرر كمال الجنزوري غيظه بأن إيقاف حركة القطارات تأتي من قبل قطاعات تحتج بالطريقة الخطأ. ومضى الجنزوري ليطرح السؤال غير البريء ومفاده لماذا نحمل القطارات مسئولية عدم تلبية مطلب هنا أو هناك؟

كان الجنزوري يتحدث عن مثال واضح وصريح وهو اعتصام بعض من أهالي قنا على شريط السكة الحديدية احتجاجا على نتيجة الانتخابات.

صيغة السؤال بهذه الطريقة تتناسى عمدا أن الاحتجاجات التي تلجأ إلى تعطيل حركة القطارات بسبب الانتخابات (تكررت في قنا مرتين من قبل أطراف سياسية وقبلية مختلفة) هي الاستثناء وليس القاعدة.

الملح العام لحوالي 20 من الاحتجاجات التي أوقفت حركة القطارات (من 19 ديسمبر حتى 22 يناير) ليس لها أي علاقة بالانتخابات، بل بمطالب اقتصادية واجتماعية تعجز (أو لا ترغب) الدولة وأجهزتها التنفيذية في تلبيتها.

في أواخر ديسمبر الماضي، اعتصم نحو 500 مدرس وقطعوا “خط كفر الشيخ – شربين” احتجاجا على فصلهم التعسفي. لجأ المدرسون إلى هذا الشكل الاحتجاجي بعد أن أعيتهم الحيل فقد كان حظهم هو التجاهل الكامل من قبل المسئولين في كل من المحافظة ومديرية التربية والتعليم.

سرعان ما تلقف الصعيد هذه البداية الخجولة ليصنع منها تقليدا يمر جغرافيا من الشمال إلى الجنوب.

توقفت حركة قطارات خط “القاهرة-السد العالي” في المنيا أواخر ديسمبر بسبب  تجمهر واعتصام عمال السكة الحديد نفسها مطالبين بحوافز. أيام لاحقة، وقطع الأهالي في المنيا أيضا الخط احتجاجا على إنشاء أبراج محمول في مناطق سكنية.

وحين جاء الدور على محافظة أسيوط كان المطلب مختلفا، فقد وقف الأهالي على شريط السكة الحديد مطالبين بتوفير أنابيب البوتاجاز .

غني عن البيان هنا أن أزمة أسطوانات البوتاجاز كانت  قد ضربت القاهرة والجيزة وبعض محافظات الوجه البحري في أكتوبر/نوفمبر الماضي. وأسفرت معارك الحصول على هذه الأسطوانات عن سقوط قتيلين.  وقفت الحكومة عاجزة تماما عن حل المشكلة التي تمددت جغرافيا من الشمال إلى الجنوب.

سوهاج كان لها أيضا نصيب من إيقاف حركة القطارات، في أوائل يناير جرى قطع حركة القطارات لعدم توافر اسطوانات البوتاجاز. وهو حدث تكرر ثلاثة مرات على الأقل في سوهاج وحدها.

وصلت حركة الاحتجاجات إلى قنا. خرج الأهالي يعترضون على نتائج الدائرة الفردي في نجع حمادي التي أبطلها لاحقا حكم قضائي. ومرة أخرى احتجوا على نتيجة انتخابات القوائم في نفس الدائرة، ثم خرجوا لاحقا للمطالبة بأنابيب البوتاجاز.

هذا مجرد عرض وصفي للاتساع الجغرافي لهذا الشكل من الاحتجاج، وهو يعني ببساطة أن الناس قد فطنت إلى وسيلة ناجعة تضغط بها على الحكومة العاجزة عن حل أبسط مشاكل المواطنين.

وهذه الوسيلة ليست جديدة. فحين نبحث عن تاريخنا سنجد أن المصريين استغلوا قضبان السكة الحديد لرفع الصوت بمطالبهم.

في آتون ثورة 1919، قطع أهالي مراكز بأكملها خطوط السكك الحديدية التي تنقل جنود الاحتلال الانجليزي مثلما حدث في دير مواس بالمنيا في 18 مارس 1919 أو من قبل أهالي قرية البدرشين في الجيزة في 31 مارس من العام نفسه.

وفي الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ظهرت الموجة الثانية لإيقاف القطارات، كانت عبارة عن موجة أقل تركيزا تتضمن الهجوم على القطارات التي كانت تحمل جنود الاحتلال في خط القاهرة- مدن القناة.

ومن شان مطالعة برقيات وكالات الأنباء العالمية في هذه الأوقات (أسوشيتد برس ورويترز على وجه التحديد) أن تتيح لنا مطالعة جملة من المفردات التي كانت تستخدمها السلطات الاستعمارية لوصف العناصر التي تعمل على إيقاف حركة القطارات.

من هذه المفردات كلمات مثل الدهماء، والغوغاء، والعناصر المدمرة فضلا عن تهديد دائم من قبل قيادات جيش الاحتلال باتخاذ إجراءات عقابية صارمة.

طبعا لا وجه للمقارنة بين موجات تعطيل القطارات زمن المحتل وبين ما يحدث الآن. فنحن على الأقل لا نعيش في دولة تحت نير الاستعمار، كما أن هجوم الأهالي على القطارات في 1919 لا شبيه له اليوم. حاول المصريون في الماضي تدمير القطار ومن فيه، لكنه في الاحتجاجات الأخيرة لم يحدث أن قام الأهالي مثلا بأي اعتداء على حركة القطارات.

يتبقى وجه واحد للمقارنة، ألا وهو طابع الاستعلاء الذي تتحدث به السلطات في كل زمان. دائما ما تستدعي السلطات نفس مفردات لغة الوعيد والتهديد. لا تقف السلطات أبدا لتشغل نفسها بسؤال: لماذا يوقفون حركة القطارات؟

المصريون أيضا ليسوا وحدهم في اختيار القطارات كوسيلة للاحتجاج.

في الصين مثلا ورغم حجب الأخبار إلا أن المرء يلاحظ من مجرد رصد لطبيعة الاحتجاجات هناك هو تكرر حالات إيقاف القطارات. الفجوة المتضخمة بين الأغنياء والفقراء في الدولة “الشيوعية” تدفع بالناس إلى تجاهل غضب السلطات والمضي قدما في إيقاف حركة القطارات. الهنود أيضا فعلوا ذلك مرارا.

إذن نحن أمام شكل احتجاجي تستخدمه القوى صاحبة المظالم. وفي مصر فإن معظم حالات إيقاف قطارات السكك الحديدية جاءت في سياق شعور الناس بظلم بين. هناك قطاعات تتضرر من سياسات إدارية وتنفيذية معينة، وهناك قطاعات تطالب فقط بحقها في الحصول على الحد الأدنى لمتطلبات الحياة.

في 25 ديسمبر الماضي، أعاقت عشرات الأسر في مركز بني مزار بالمنيا حركة القطارات والسبب كان غياب الخبز في بني مزار. في الحقيقة لم يكن هناك غياب للخبز في البلدة، ذلك لأن الخبز كان متوافرا، لكن المشكلة كانت في أن الخبز المتوفر لا يصلح ببساطة للاستهلاك الآدمي.

تلاعب أصحاب المخابز بحصص الدقيق والتحايل على مواصفات جودة رغيف العيش من قبل أصحاب المخابز  وتقاعس أجهزة الدولة التنفيذية عن التحرك لإيقاف هذه الخروقات،  كانت أسباب كافية لأن يخرج الناس للاحتجاج.

ربما نجد التفسير في خروج الأهالي واختيارهم إيقاف حركة القطارات لنيل مطالبهم في مقولة منسوبة لأبي ذر الغفاري مضمونها “عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه؟”. أهالي المنيا وأسيوط وسوهاج لم يخرجوا ليطبقوا هذا الحل الراديكالي بإشهار السيوف. هم فقط رفعوا صوتهم جهارا. 

بقيت هناك نقطة وحيدة تتعلق بالطريقة التي جرت بها إدارة هذه الأزمات المصغرة.

تدخلت الشرطة بطريقة ناجحة مرة واحدة في سوهاج وأقنعت الأهالي بترك حركة القطارات. وفي أسيوط نجحت الأجهزة التنفيذية مرة في حل ما بتوفير بعض أسطوانات البوتاجاز. وفي حالات أخرى اختار الناس أنفسهم عدم الاستمرار في الاعتصام.

لكن وبغض النظر عن هذه الحلول المؤقتة فإن قراءة الظروف المحيطة بنحو 10 من هذه الاحتجاجات تشي بنتيجة واحدة وهي أن الجميع يبدو وكأنه قد تحلل من الشأن اليومي.

معظم الأخبار التي تغطي هذه الاحتجاجات يكون السبق لوكالة أنباء الشرق الأوسط، ثم مراسلي المحافظات. يكتب الخبر بنفس الطريقة تقريبا. عشرات يحتجون من أجل أن تقوم الحكومة بتلبية مطلبهم. ويمضي الخبر ليقتبس من موظف في المحطة كلاما عن أرقام القطارات التي تعطلت. وأحيانا يجري اقتباس تصريح لهاني حجاب بالملايين التي خسرتها الدولة جراء هذا الاعتصام أو ذاك.

يغيب عن الخبر دائما صوت المحتجين ولماذا اختاروا مزلقان السكة الحديد مكانا للاعتصام والتجمهر.

لا تخبرنا هذه الأخبار بردود أفعال الجهات التنفيذية. ماذا فعلت لتلبي مطالب الأهالي.

سيقول البعض إن هذه الأزمات قد تنتهي بوجود البرلمان المنتخب. لكن للأسف وقعت معظم هذه الاحتجاجات في مدن كانت قد أعلنت عن أسماء ممثليها في البرلمان.

انشغل بعض البرلمانيين الجدد بالتقاط الصورة التذكارية في قاعة مجلس الشعب. وتبرع بعضهم ببيع بعض أسطوانات البوتاجاز بسعر مخفض كنوع من العمل الخيري. لكن من هو ذلك العضو الذي خرج للناس لينقل مظالمهم وينيب عنهم في التفاوض. أخشى أن تكون الإجابة: لا يوجد أحد.

الخلاصة تكمن في أن السؤال عن مسئولية القطار يبدو في هذا السياق ترف لا معنى له لأن السؤال ببساطة يكمن في لماذا أوقفوا القطار؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s