في محبة المثقف المحترم

قدم هاني شكرا الله استقالته من الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي. وبررها في سطور هادئة ومقنعة في نوت على صفحته بموقع الفيس بوك. المزية الكبرى في سطور هاني أنها لا تتنطط على أحد ولا تدعي الإلمام بكل شيء. فقط موقف، والناس مواقف. الثورة المصرية- تنتظر الآن إما قبلة الموت أو معجزة. وستحقق المعجزة حين نقلل من تلك الجرعة الخانقة الخاصة “بتحويل الثورة إلى سياسة”. الثورة تعرف أعدائها- وهم بالمناسبة ليسوا فلول الوطني فحسب،هناك أيضا العسكر والإسلاميين وتلك الأحزاب الكرتونية القديمة. فيما يلي نص ما كتبه هاني شكرا الله مبررا رفضه للبيان الصادر عن لقاء  سامي عنان مع بعض ممثلي الأحزاب السياسية المصرية.

الزملاء الأعزاء

أكتب مرة أخري بخصوص البيان المعنون “بيان نتائج لقاء الفريق سامي عنان وعدد من رؤساء الأحزاب يوم 1/10/2011.

أولا: لا أفهم معني لتوقيعات رؤساء الأحزاب، فالتوقيع علي وثيقة مشتركة يفترض أولا مشاركة الأطراف في صياغة الوثيقة وهو ما لم يحدث، وثانيا وهو الأهم، أن تشتمل الوثيقة علي التزامات متبادلة، فما هي التزامات الأحزاب غير “التعاون في تحقيق وتنفيذ الاجراءات الأمنية”، وهو التزام مخجل في الواقع. أما المغزي الفعلي للتوقيع فهو الإذعان، أي الموافقة علي برنامج المجلس العسكري كما هو موضح في البيان.

ثانيا: لا يحتوي البيان علي أية استجابة حقيقية جديدة لمطالب الثورة، وذلك بإستثناء التراجع عن المادة الخامسة من قانون مجلسي الشعب والشوري والمتعلقة بمنع الأحزاب من المنافسة علي الفردي، وهي مادة مضحكة في كل الأحوال، أكثر الظن انه تم الزج بها في القانون حتي يتم التراجع عنها فيما بعد وتلبيس الأحزاب النظام الانتخابي المختلط وأشياء اخري كما حدث بالفعل.

ثالثا: أخطر ما في البيان النص المتعلق بقانون الطوارئ، فليس هناك جديد فيما يتعلق بدعوي عدم تطبيق الطوارئ الا في حالات خاصة. مبارك ظل يقسم بأغلظ الأيمانات طوال 30 عاما بأن الطوارئ تطبق فقط علي الإرهاب، والمجلس يقسم منذ البداية انه لن يطبق الطوارئ إلا ضد “البلطجة” – هذا المنطق مرفوض تماما تماما. الثورة قامت في أحد أهم جوانبها في مواجهة حالة الطوارئ الدائمة تلك والتي تحول جهاز الأمن الداخلي في ظلها الي مليشيا مسلحة لا يحدها شرع ولا قانون. توقيع الأحزاب علي الوثيقة لا يعني سوي قبول استمرار قانون الطوارئ، بل وفي صياغة مذهلة يوافقون علي أن يترك للمجلس العسكري “دراسة” الأمر لا لإلغاء القانون ولكن “لوقف العمل بحالة الطوارئ الا في بعض الجرائم.”

رابعا: ليس من جديد في البند الخاص بالمحاكمات العسكرية، فسبق ان أعلنت حكومة المجلس وبدون توقيعات من أحد، انه قد تقرر وقف إحالة مدنيين للمحاكم عسكرية، بل وكان احياء قانون الطوارئ في الواقع تعويضا علي التراجع عن المحاكمات العسكرية للمدنيين. أما القضية الفعلية في هذا البند والمتعلقة بإعادة محاكمة أو الافراج عن 14 ألف مدني تم الحكم عليهم بمحاكم عسكرية فقد تم تجاهلها تماما، ليشكل توقيع الأحزاب مرة أخري بصما علي نصف تنازل قدمه المجلس خضوعا لضغط الشارع لا استجابة لرغبة الأحزاب، وتتخلي في الوقت نفسه عن المطلب الفعلي في هذا الشأن.

خامسا: ليس ثمة جديد في الجدول الزمني لاجراء الانتخابات، وارجو ألا يحاول أحد أن يبيع لنا الوثيقة بدعوي انها فرضت علي العسكر الرحيل. فبصرف النظر عن التفاصيل فإن الجدول الزمني المنصوص عليه ليس سوي تطبيق لخطة المجلس التي أعلن، أيضا دون توقيعات من أحد، عن أهم عناصرها من قبل، فضلا عن أن ذلك الجدول يبقي المجلس في إدارة البلاد حتي بدايات 2013 علي أقل تقدير.

سادسا:  اقتران الوعد الغامض بإصدار تشريع بحرمان بعض من قيادات الوطني من المشاركة السياسية بالحديث عن قانون الطوارئ يوحي بأن الأحزاب قبلت بصفقة رديئة تمثلت في التخلي عن المطلب الثوري والشعبي في الإلغاء التام للطوارئ في مقابل اخلاء الساحة الانتخابية من بعض من منافسي تلك الأحزاب من فلول الوطني.

سابعا: البند الخاص بالتعاون الأمني مع المجلس مشين إلي أقصي حد، حيث تعلن تلك الأحزاب التزامها ب”تحقيق وتنفيذ الإجراءات الأمنية”، وذلك بعد أن تخلت عن رفضها لقانون الطوارئ وبدون أدني إشارة للسبب الرئيسي للتدهور بعيد المدي للحالة الأمنية في البلاد، وهو عدم اتخاذ اجراءات جادة وجذرية لاصلاح جهاز الأمن الداخلي، وهو الجهاز المارق والخارج عن الطوع والقانون، الكاره للشعب والساعي للانتقام منه.

ثامنا: وثيقة ميثاق الشرف تتوقف ببساطة علي قدرة المجلس العسكري علي اكراه الاخوان والسلفيين، وهو أمر مشكوك فيه، فضلا عن انه لا يعول عليه كثيرا. موضوع الدستور سيتوقف في نهاية المطاف علي تركيبة البرلمان المقبل، فإذا نجح الأسلاميون في الاستيلاء علي المجلس يمكننا نحن والعسكر ان “نبل” ميثاق الشرف “ونشرب من مياهه” كما يقول المثل.

تاسعا: لم يوجد في الوثيقة أي إشارة الي القوانين المعادية للديمقراطية وفي مقدمتها قوانين تجريم الاضراب والاعتصام، ولم تشمل أية دعوة للتفاوض بشرف مع عمال مصر المضربين في شتي المجالات، كما تجاهلت تجاهل تام المطالب الاجتماعية الملحة وهي التي شكلت وتشكل بعدا جوهريا من أباد الثورة المصرية.

عاشرا وأخيرا، يبقي أن الشيئ الجوهري في هذا الموضوع هو أن التوقيع علي مثل هذا البيان يوحي بقوة بأن الأحزاب تضحي بالثورة وبمطالبها لتبادل مقتضيات الحرية والتحول الديمقراطي والعدالة الاجتماعية في مقابل مكاسب حزبية ضيقة تتلخص في واقع الأمر في اخلاء الساحة من بعض المنافسين المحتملين، ومن ثمة زيادة أنصبة الأحزاب المشاركة في البرلمان المقبل

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s