اللص والكلاب: أنت تنقذ نفسك إن شئت

نور: ويمكن راحتك تكون جنبك وأنت موش دريان بيها

غريب هو فيلم “اللص والكلاب“. فرغم فشله النسبي في أن يقدم صورة سينمائية تحاكي ذلك المزيج المدهش في الحوار ورسم الشخصية اللذين أبدعهما نجيب محفوظ في الرواية التي تحمل نفس الاسم، إلا أن الفيلم سيتصدر-رغم ذلك- أي قائمة لأفضل 100 فيلم مصري.

“اللص والكلاب”  الفيلم- على عكس الرواية- لم يقدم تفسيرا لعلاقات تأسس عليها الفيلم، مثل تلك العلاقة التي جمعت ما بين عليش (زين العشماوى) “صديق” سعيد مهران  وبين زوجة سعيد نبوية (سلوى محمود). ربما يكمن هذا في طريقة كتابة السيناريو التي ارتأت اختصار بعض  العلاقات في الفيلم وتقديمها هكذا بدون فرش أرضية لكيفية تطورها. (صاحب السيناريو هو السيناريست صبرى عزت كاتب سيناريو لرائعة فؤاد المهندس شنبو في المصيدة) . لكن ضعف السيناريو قابله  إجادة بالغة في الحوار الذي كتبه على الزرقانى (كاتب حوارات قدير ترك بصمة فعلية في السينما المصرية من خلال أفلام أضحت من كلاسيكيات السينما المصرية على غرار الأستاذة فاطمة وإشاعة حب والزوجة 13).

لكن الفيلم (الذي ظهر عام 1962 أي بعد صدور الرواية بعام واحد) في التحليل الأخير عمل نادر بالفعل. من الصعب للغاية أن تجد عملا فنيا يتفوق فيه  أغلب الممثلين على أنفسهم (يقال إن تعبير تفوق على نفسه ذاع صيته بفضل استخدامه من قبل يوسف بك وهبي). تمكن مخرج الفيلم كمال الشيخ من أن يوجه الجميع. أجادت سلوى محمود في دورها زوجة سعيد مهران “الخائنة”، وأجاد كذلك صلاح جاهين  في دور “المعلم طرزان” صاحب الغرزة ابن البلد.

أما عن الأدوار الرئيسية، فهناك شكري سرحان (سعيد مهران) الذي أبدع في دور البطولة في هذا الفيلم . لا أعرف عدد الأفلام بالضبط التي قدمها شكري قبل “اللص والكلاب”، لكن دوره في هذا الفيلم لا يقل أبدا عن أدواره الرائعة في ابن النيل (1951) وشباب امرأة (1956) والسفيرة عزيزة (1961) ويمكن للبعض أن يضم إليهم فيلم رد قلبي (1957).

لا أعرف السبب في تركيزي على نظرات  أعين سعيد مهران. ربما لأنها توحى بذلك الجيشان في مشاعر السخط واليأس والانتقام. ورغم ذلك تتحول النظرات فجأة إلى نظرات ندم حارق حين يعلم في مشهدين منفصلين أنه قتل شخصين لا ناقة لهم ولا جمل في محنته.

في مشهد قصير، وفي جمل موجزة يصور لنا سعيد مهران مآساته. في المحكمة الخيالية التي نصبها لنفسه، قال لنا في مرافعته:

أنا الدموع اللي بتفضح صاحبها

تقاسمت شادية (نور) دور البطولة. نور  فتاة ليل، تبيع المتعة. والفيلم- بناءا علىنظرة نجيب محفوظ الأثيرة- لا يسقط في فخ الوعظ الأخلاقي من أنها الفتاة المنكسرة التي لا حول لها ولا قوة. في الفيلم- كما الرواية- نور شخصية قوية، نجحت باقتدار في تقديم ذلك المزيج الغامض من كونها بائعة هوى ليلا ومحبة وعاشقة لسعيد مهران أناء النهار وأطراف الليل. إذا وجدتم مثل نور هذه فلا تفرطوا فيها. أحبت نور سعيد الذي هجرها لصالح زواجه بامرأة أخرى. لكنها لم تنس الحبيب وذهبت لتعاوده في  في السجن مخبرة إياه  بغدر الصديق والزوجة:

عليش خد مطرحك في  كل حنة يا سعيد حتى في البيت

وفرت له ملاذا عن أعين البوليس. كانت تنفق عليه وتخشى من نزواته ونظرات الانتقام في عينيه. وحين تاقت روحها شوقا للدنيا، لم تأخذها النشوة ولم تشتق  إلى الدنيا بمفردها، حاولت أن تجذب سعيد معها، لكنه أبى.

بعد غياب لسنوات أربع في السجن، دار حوار كاشف بين نور وسعيد فهمنا منه عمق  الهوة التي تفصل ما بين توقعات كل منهما:

نور: أنا قلبي عليك يا سعيد،  أنت أصلك تعبت كتير. لو تهاودني على عقلي هريحك أوي

سعيد: الراحة مبتجيش إلا بطلوع الروح

نور: ويمكن راحتك تكون جنبك وأنت موش دريان بيها

سعيد: أنا أول ما فكرت جتلك أنتي

يعني كنت دورت عليا، دا أنت قابلتني صدفة

سعيد: أنتي فاكراني موش هلاقي حته تانيه

نور: لأ، بس موش هتلاقي واحدة تحبك أد ما حبيتك، ولا تصبر أد صبري عليك ولا تفرح أد فرحتي بيك. فوق لنفسك وفوق ليا يا سعيد، دا احنا ملناش غير بعض

سعيد أنت ماشتقتش للدنيا؟

لم يشتق سعيد إلى الدنيا، أشتاق أكثر إلى الموت حين تمادى في الانتقام.

وكم كان مؤلما للغاية في نهاية الفيلم، أن نرى نور وحدها واقفة كسيرة الفؤاد تشاهدهم وهم يحملون  جثمان سعيد مهران. في مشهد الفيلم الختامي وقفت “نور” تائهة،  لا حبيب، لا بيت (بعد أن دعت مالكة الشقة مستأجرا جديدا حتى يحل مكانها). لم تحظ بكلمة عزاء واحدة على العمر الذي ضاع هدرا.

قبل هذا المشهد، جلست “نور” مع زميلة أخرى تحترف نفس المهنة، ودار حوار حول  سوء الحال والمآل.

بائعة الهوى: معلش بأه ما إحنا اللي بضاعتنا بقت قديمة

نور: الناس مبقاش عندها نظر

بائعة الهوى: انتي بتكذبي على روحك يا نور إحنا اللي خلاص كلها فركة كعب ونبقى جلد على عضم. حتى الكلاب موش هيلاقوا فينا حاجة يمصمصوها.

نور: يا أختى أنتي دايما تقولي كدا

بائعة الهوى : دي آخرتنا اللي دايما كدا يا نور.   نفسي أموت ولو برصاصة من السفاح

لكن بائعة الهوى لم تمت برصاصة السفاح، من مات برصاص السفاح هو سعيد مهران نفسه. قتله من تشاركوا في عزومة السجائر في المشهد ما قبل الأخير في الفيلم، أقصد ضابط البوليس (نظيم شعراوي) والصحفي رءوف علوان (كمال الشناوي).

رؤوف علوان هو  ذلك الانتهازي القذر الذي يمتهن الصحافة. خلق علوان من سعيد مهران أسطورة في الشر. وللعلم فإن بيان الشر وخطورته وتحديد الأخلاق الرذيلة وأثرها هي من وظائف الإعلام الحديث. يخلق لنا الإعلام أشرارا متخيلين.في أزمنتنا هذه يدعوهم بـ “البلطجية”.لا نعرف سبب شرورهم على وجه التحديد، لكنهم في النهاية كما يوصينا الإعلام فهم   كائنات خطرة. يحدث هذا في إعلام الغرب والشرق. في بريطانيا خلقوا من الطفلين روبرت تومسون وجون فينابلز أيقونتان للشر المطلق.  وفي أمريكا نزعوا صفة الإنسانية من الطفل جورج ستني وأعدموه. وفي مصر نصبوا خنوفة “أخطر بلطجي في القاهرة”. هنا لا ننسى أن سعيد مهران كان تجسيدا لحادث حقيقي بطله “سفاح” يدعى محمود أمين سليمان. (لاحظ أن الجريدة التي يعمل بها رؤوف علوان هي أخبار اليوم، وهي نفس الجريدة التي أجادت أيما أجادة في نشر مادة ملتهبة عن محمود أمين سليمان الذي أقدم على جرائم قتل وسطو وقبض عليه في أبريل من عام 1960).

رؤوف علوان هو رمز لحقيقة جوفاء، تتغير وفقا للمزاج الشخصي والمصلحة. يملك روشتة جاهزة يتغير محتواه، لكن يبقى مضمونها واحد وهو احتوائها على السم القاتل. أنت فقير يا سعيد مهران، فالسرقة إذن مباحة بالنسبة لك، لكن عندما يتيسر الحال لرؤوف علوان فالسرقة هنا  فعل شائن ومرتكبها-سعيد مهران- مجرم قاتل سفاح.

على النقيض من رؤوف علوان يقف الشيخ الذي أعتاد سعيد مهران أن يزوره.في الفيلم صورة شديدة الغموض لشيخ يجلس يتلو بعضا من الحكمة إلا أنها حكم مؤثرة وتخلو من اللغة الخطابية. أما في الرواية فنجد وصفا جيدا  للشيخ علي جنيدي   ذلك الرجل القادر على النفاد إلى حكمة الحياة (مثلما نفد إليها نجيب محفوظ). لا يقدم الشيخ  روشتات جاهزة تتغير حسب الطلب والمزاج مثلما يفعل رؤوف علوان. هو فقط يقدم عصارة خبرته وإيمانه. الشيخ علي جنيدي واحد من أحب شخصيات نجيب محفوظ إلي. هو في تقديري المتواضع ثورة على الشخصيات الدينية الأخرى في أعمال محفوظ. يختلف جذريا عن تلك النبرة الانتهازية للدين في شخصية مأمون رضوان في القاهرة الجديدة. وقطعا يتنافر مع ذلك الهارب من الحياة. أقصد الشيخ درويش ذلك النموذج المهزوم صاحب الهوس الصوفي في  زقاق المدق.

حث الشيخ  سعيد مهران أن يتحرر( ربما نفس طريقة الاشتياق إلى الدنيا كما عبرت عنها نور). حين  أخبره سعيد أنه خرج من السجن كان رد الشيخ واضحا

“أنت لم تخرج من السجن”

وحين سأله سعيد:  هل في وسعك بكل ما أوتيت من فضل أن تنقذني؟

أتى الشيخ برد من عالم سحيق:  أنت تنقذ نفسك إن شئت.

هذا هو بيان السبيل

+++

اضغط هنا لمشاهدة الفيلم كاملا على موقع يوتيوب. اضغط هنا لقراءة الرواية  .

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s