ما بعد نجيب محفوظ: رؤية إدوارد سعيد

Naguib Mahfouz (1911-2006)

بعد محفوظ

 إدوارد سعيد

ترجمة ثائر ديب

جاءت مأثرة نجيب محفوظ بوصفه أعظم روائي عربي حيّ وأول عربيّ حائز جائزة نوبل بمثابة تبريرٍ لاحق محدود النطاق لكنه مهمّ لما كان قد حققّه من صيتٍ لا يُضَاهى على مستوى المنطقة، كما دفعت الغرب ولو بصورةٍ متأخرّة إلى التعرّف عليه وتقديره حقّ قَدْرِه. فمن بين جميع الآداب واللغات الكبرى، لا تزال العربية إلى الآن أقلّها معرفةً لدى الأوروبيين والأميركيين وأكثرها تعرّضاً للنظرة الناقمة المفعمة بالضغينة، الأمر الذي ينطوي على مفارقة جسيمة بالنظر لما يراه العرب جميعاً من أنَّ القيمة الأدبية والثقافية الهائلة للغتهم تشكّل واحداً من إسهاماتهم الأساسية التي قدّموها لهذا العالم. وبالطبع فإنَّ العربية هي لغة القرآن، ولذا فهي أساسية بالنسبة للإسلام، الذي تُسْتَخْدَم فيه ذلك الاستخدام الديني، والتاريخي، واليومي الذي لا يكاد يضاهيه أيّ استخدام آخر من ثقافات العالم الأخرى.

وبسببٍ من هذا الدور، وبسببٍ من اقترانها الدائم بمقاومة الغزوات الإمبريالية التي وُسمَت التاريخ العربي منذ أواخر القرن الثامن عشر، فقد اكتسبت العربية أيضاً موقعاً فريداً من حيث التنازع عليه في الثقافة الحديثة، حيث يدافع عنها ويمجّدها ناطقوها وكتّابها المحليون، ويستخفّ بها، أو يهاجمها، أو يتجاهلها الأجانب الذين تمثّل لهم آخر معقل دفاعي من معاقل العروبة والإسلام.‏

وعلى سبيل المثال، فقد عانت العربية من تحريمٍ شديدٍ خلال 130 سنة من الكولونيالية الفرنسية بالجزائر باعتبارها لغة تافهة لا قيمة لها: وهذا ما ينطبق بصورة أقلّ على تونس والمغرب، حيث نشأت هناك ثنائية لغوية قلقة بسببٍ من فَرْض اللغة الفرنسية فَرْضاً سياسياً على العرب المحليين. أمّا في غير مكان من المشرق العربي فقد غدت العربية بؤرة الآمال بالإصلاح والنهضة. وكما بيّن بندكت أندرسن، فإنَّ انتشار التعليم قد حفّز نهوض القومية الحديثة، والتي لعب النثر القصصي السردي في وسطها دوراً حاسماً في خلق وعي قومي. فالروائيون العرب، بتوفيرهم للقرّاء ليس إحساساً بماضيهم المشترك وحسب ـ كما نجد، مثلاً، في الرومانسيات التاريخية التي كتبها الروائي والمؤرّخ جرجي زيدان في أوائل القرن العشرين ـ بل أيضاً إحساساً باستمراريةٍ تاريخيةٍ ثابتة، وقفوا مواقف صلبة وقوية في كلّ مكان كانت فيه قضايا المصير، والمجتمع، والتوجّه موضع جدال واستقصاء.‏

بيد أنَّ علينا ألاّ ننسى أنَّ الرواية كما عُرِفَت في الغرب هي شكل جديد نسبياً في التقليد الأدبيّ العربيّ الغنيّ. وعلينا أن نبقي في أذهاننا إلى جانب ذلك أنَّ الرواية العربية هي شكل معنيّ، ومنخرط من خلال قرّائه وكتّابه في الانقلابات الاجتماعية والتاريخية الكبرى التي شهدها قرننا العشرون، حيث شاركوا في انتصاراته كما شاركوا في إخفاقاته. وعلى هذا الأساس، وعودةً إلى نجيب محفوظ، فإنَّ أعماله منذ أواخر الثلاثينيات فصاعداً تكثّف تاريخ الرواية الأوروبية في مدىً زمنيٍ قصير نسبياً. فهو ليس واحداً من أشباه هوغو وديكنز وحسب، وإنما أيضاً من أشباه غالسورتي، ومان، وزولا وجول رومان.‏

والرواية العربية، محاطةً بالسياسة على هذا النحو، وأسيرةً إلى حدٍّ بعيد للنزاعات المحلية فضلاً عن البيئة الدولية، هي حقّاً شكلٌ مُحَاصَر. فثلاثية محفوظ الأليغورية، أولاد حارتنا (1) ( 1959)، تتناول الإسلام، وقد مُنِعَتْ في مصر حين كانت على وشك أن تُنْشَر. أمّا ثلاثيته القاهرية التي سبقتها (1956 ـ 1957) فقد استعرضت أطوار القومية المصرية، التي وصلت ذروتها في ثورة 1952، وقد فعلت ذلك على نحوٍ نقدي وصميمي كإسهامٍ في إعادة صياغة المجتمع المصري. لتأتي ميرامار (1967)، روايته راشومونية الأسلوب عن الإسكندرية، فتنظر نظرة متجهّمة إلى اشتراكية ناصر، ومساوئها، وشذوذاتها، وكلفتها الإنسانية.‏

وفي أواخر الستينيات، تناولت قصص محفوظ القصيرة ورواياته عقابيل حرب العام 1967، على نحوٍ متعاطفٍ مع بروز المقاومة الفلسطينية، وعلى نحوٍ ناقدٍ للتدخّل العسكري المصري في اليمن. وكان محفوظ أشهر كاتب وأشهر شخصية ثقافية تحيّي معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية في العام 1979، وعلى الرغم من أنَّ كتبه قد مُنِعَت في البلدان العربية لفترة بعد ذلك، إلاّ أن شهرته ككاتب عظيم كانت أرسخ بكثير من أن يُنْتَقَص منها لفترة طويلة. ومع أنَّ الموقف الذي اتّخذه لم يكن بالموقف الشعبي حتى في مصر ذاتها، فإنّ الأمر لم يقتصر على تخطّيه الازدراء المؤقّت بل تعدّاه إلى خروجه من كلّ ذلك أشدّ هيبةً وكِبْرَاً.‏

وما تتّسم به مسيرة محفوظ في العالم العربي من تميّز لا يُسْتَمَدُّ من طول حياته الكتابية الاستثنائي وحسب، وإنّما أيضاً من كون عمله مصرياً (وقاهرياً) بكلّ ما فيه، قائماً على رؤيةٍ إقليمية وتخييلية لمجتمعٍ فريدٍ في الشرق الأوسط. فالأمر اللافت بشأن محفوظ هو ما كان من قدرته الدائمة على الاتكاء على تكامل مصر الحيوي بل وتدامجها الثقافي.‏

فعلى الرغم من إغراق مصر في القِّدَم، وتنوّع مكوّناتها، وما تلّقيه من مؤثّرات ـ إذْ أنَّ مجرد وضع قائمة بهذه المؤثرات كفيل بأن يخلّف شعوراً بضرورة التوّقف: حيث المؤّثرات الفرعونية، والعربية، والإسلامية، والهلنستية، والأوروبية، والمسيحية، واليهودية، الخ. ـ إلاّ أنَّ هذا البلد تمتّع باستقرارٍ وهويةٍ لم يختفيا في هذا القرن. أو، بعبارة أخرى، فإنَّ الرواية العربية قد ازدهرت على نحوٍ خاص في مصر القرن العشرين لأنّه على الرغم من كلّ حروب هذا البلد المولّدة للاضطراب، وثوراته، وانقلاباته الاجتماعية، إلاّ أن مجتمعه المدني لم يكسف أبداً، وهويته لم توضع أبداً تحت طائلة الشكّ، ولم تستطع الدولة أبداً أن تستغرقه تماماً. والروائيون المصريون مثل نجيب محفوظ لطالما وجدوه هناك بانتظارهم، الأمر الذي أتاح لهم أن يقيموا صلةً مؤسساتيةً دائمة مع المجتمع عبر قصّهم.‏

وعلاوةً على هذا، فإنَّ خصائص القاهرة التاريخية والجغرافية الأساسية التي رسم محفوظ خارطتها قد وُرِّثَت إلى الجيل الجديد من الكتّاب الذين بلغوا النضج في مرحلة ما بعد 1952. فجمال الغيطاني هو مثل محفوظ، من حيث أنَّ عدداً من أعماله ـ ومنها مثلاً عمله الذي تُرْجِم مؤخَّراً الزيني بركات(1) ـ تدور في أحياء مثل الجمالية، التي تدور فيها أيضاً رواية محفوظ الواقعية زقاق المدق. والغيطاني يعتبر نفسه واحداً من ورثة محفوظ، والتداخل في الخلفية وفي المعالجة يثبت وجود العلاقة الجيليّة بين الكهل والشاب، وهو ما يُفْصَح عنه مزيداً من الإفصاح من خلال مدينة القاهرة والهوية المصرية. فمحفوظ يوفّر بالنسبة للأجيال اللاحقة من الكتّاب المصريين ضماناً لنقطة افتراق.‏

غير أنَّ من الواجب القول إنّ محفوظ، كراعٍ وكسلف للقصّ المصري التالي ليس كاتباً إقليمياً بأيّ حال من الأحوال، ولا هو مجرد تأثير محليّ. وهنا تجدر بنا ملاحظةُ تعارض آخر. فمصر، بسببٍ من حجمها وقوتها، كانت على الدوام محلاًّ للأفكار والحركات العربية؛ وعلاوةً على هذا، فقد لعبت القاهرة دور مركز التوزيع لما تنشره المطابع، وللأفلام، والإذاعة، والتلفزيون. فالعرب في الغرب، من جهة أولى، والعراق، من جهة ثانية، ممن قد لا يشتركون سوى بالقليل، يمكن أن يقضوا عمراً كاملاً في مشاهدة الأفلام (أو المسلسلات التلفزيونية) المصرية التي تربط فيما بينهم. وبالمثل، فقد انتشر الأدب العربي الحديث من القاهرة منذ بداية هذا القرن؛ وطوال سنوات كان محفوظ كاتباً دائماً في الأهرام، الصحيفة اليومية الأولى في مصر والعالم العربي. وكانت روايات محفوظ، وشخصياته واهتماماته، بمثابة المعيار المميَّز، وربما الذي يوضَع على الدوام موضع المنافسة، بالنسبة لمعظم الروائيين العرب الآخرين، في وقتٍ ظلّ فيه الأدب العربي ككلّ هامشياً بالنسبة للقرّاء الغربيين الذين اكتسب لديهم كلٌّ من فوينتس، وغارسيا ماركيز، وسوينكا، ورشدي سلطة ثقافية أساسية.‏

وما رسمتُ خطوطه العريضة على هذا النحو التخطيطي الشديد هو بعضٌ من الخلفية التي يُفْتَرَض وجودها حين يرغب كاتب معاصر، غير مصري، وذو مواهب حقيقية في أن يكتب قصّاً باللغة العربية.‏

فأن نتكلم على ضَرْب من “قلق التأثير”(2)، بقدر ما تكون أسبقية محفوظ، ومصر، وأوروبا (التي أتت منها الرواية العربية قبل محفوظ في حقيقة الأمر) هي المعنية، يعني أن نتكلّم على أمر فعلي اجتماعياً وسياسياً. فالقلق يفعل فعله ليس فقط في تحديد ما كان ممكناً لواحدٍ مثل محفوظ في مجتمع مستقر ومتكامل أساساً مثل مصر، بل أيضاً في تحديد ما هو، في مكانٍ متشظٍّ، وبلا مركز، وعاصٍ علناً، غير ممكن على نحوٍ مثير للجنون والإحباط. ففي بعض البلدان العربية لا تستطيع أن تغادر بيتك وتفترض أنّه حين تعود إليه إذا ما عدت سيكون كما تركته. ولم يعد بمقدورك أن تعتبر أنَّ من البديهي أن تعمل أمكنة مثل المشافي، والمدارس، والمباني الحكومية مثلما تفعل في غير مكان، أو أنها، إذا ما كانت تعمل لفترة، ستواصل فعلها ذاك في الأسبوع التالي. كما لا يمكن أن تكون متيقناً من أنَّ الولادة، والزواج، والموت ـ مما يُسَجَّل، ويُرَخَّص، ويوثَّق في كلّ المجتمعات ـ سوف يُلاّحظ في الحقيقة أو يُحْتَفَل بذكراه بأيّ حالٍ من الأحوال. وبدلاً من ذلك، فإنَّ معظم أوجه الحياة قابلة للتفاوض، ليس بالمال والاتصال الاجتماعي وحسب، بل أيضاً بالبنادق وراجمات الصواريخ.‏

والمثالان المتطرفان اللذان تشكلّ فيهما مثل هذه الحوادث وقائع يومية متكررة هما فلسطين ولبنان، أولهما الذي كفّ عن الوجود في العام 1948، وولد من جديد في 15 تشرين الثاني 1988، والثاني ذلك البلد الذي بدأ تدميره الذاتي العام في نيسان 1975، ولم يتوقف عن ذلك بعد. ففي كلا هذين الكيانين السياسيين ثمّة بشر هويتهم الوطنية مهدّدة بالانقراض (في الأولى) أو الانحلال اليومي (في الثانية). وفي مثل هذه المجتمعات تكون الرواية شكلاً خطراً وإشكالياً إلى حدٍّ بعيد في آنٍ معاً. فمن النمطي أن تكون موضوعاتها سياسية ملحّة واهتماماته وجودية جذرية. والأدب في المجتمعات المستقرة (كالأدب في مصر، مثلاً) لا يمكن تكراره من قِبَل الكتّاب الفلسطينيين واللبنانيين إلاّ عن طريق المحاكاة الساخرة والمبالغة، إذْ أنَّ الحياة الاجتماعية للكتّاب الفلسطينيين واللبنانيين هي مشروع ذو نتائج يصعب التنبؤ بها أشدّ الصعوبة ويقوم على أساسٍ يتغيّر من برهة إلى أخرى. وقبل كلّ ذلك، فإنَّ الشكل مغامرة، والسرد بعيد عن اليقين ومتعرّج على السواء، والشخصية ليست مجموعة مستقرّة من الخصال بقدر ما هي صنعة أو تقنية لغوية، متعمَّدة بقدر ما هي مؤقّتة وقائمة على المفارقة الساخرة.‏

لنأخذ أولاً اثنين من الروائيين الفلسطينيين، غسان كنفاني وإميل حبيبي. يبدو نموذج كنفاني للوهلة الأولى على أنه النموذج الأكثر تقليدية، في حين يبدو نموذج حبيبي على أنه تجريبي إلى حدّ الجموح. غير أننا نجد في رجال في الشمس (1963)، أنَّ قصة كنفاني عن الضياع والموت الفلسطيني تُقَوَّض بوصفها سرداً بفعل نثر الرواية المفكَّك قصداً، والذي نجد فيه ضمن مجموعة مؤلفة من جملتين أو ثلاث أنَّ الزمان والمكان في حالة من التدفق الذي لا هوادة فيه بحيث لا يمكن للقارئ أبداً أن يتحقّق تماماً أين تحدث القصة ومتى. وفي سرده الطويل وبالغ التعقيد ما تبقى لكم (1966)، يتمّ الوصول بهذه التقنية إلى حدٍّ أقصى بحيث يتكلّم عدد من الساردين حتى في الفقرة القصيرة الواحدة دون أن يجد القارئ ما يكفي من المؤشّرات، أو التمييز، أو التحديد. غير أنَّ القسمة التعسة الممّيزة للشخصيات التي رسمها كنفاني هي تلك القسمة الصارخة الجليّة بحيث يتحقّق نوع من الوضوح الجمالي حين يجتمع معاً على نحوٍ متصادم كلٌّ من القصة، والشخصية، والمصير.‏

ففي العمل الأول، يُخْنَق ثلاثة لاجئين في صهريج سيارة على الحدود العراقية ـ الكويتية، وفي الرواية اللاحقة، تطعن مريم زوجها الفاسد والمتزوج من امرأتين في وقت واحد في حين يواجه أخوها حامد إسرائيلياً في مواجهة قاتلة.‏

أمّا متشائل حبيبي (1974) فهي تفجّر كارنفالي للمحاكاة الساخرة والهزل المسرحي، مدهش على الدوام، وصادم، ولا يمكن التنبؤ به. فهي لا تقدّم أيَّ تنازل مهما يكن لأيٍّ من الأعراف القصصية المعيارية. وشخصيتها الأساسية (التي يجمع اسمها معاً كلاًّ من التفاؤل والتشاؤم) هي خليط من العناصر من إيسوب، والحريري، كافكا، ودوماس، و وولت ديزني، في حين أنَّ الفعل فيها هو ضَرْب من الجمع بين الهزل السياسي المتدني، وقصص الخيال العلمي، والمغامرة، والنبوءة التوراتية، كلّ ذلك مرتكز على الديالكتيك القلق لنثر حبيبي شبه العاميّ، شبه الكلاسيكي. وفي حين أنَّ لمسات كنفاني الميلودرامية العارضة إنّما المؤثّرة تضعه ضمن مدى روايات محفوظ من حيث فعلها المنضبط والمتوضّع، فإنَّ عالم حبيبي هو أشبه بعالم رابليه بل وجويس بالقياس إلى بلزاك وغالسورتي المصري.‏

ويبدو الأمر كما لو أنَّ الوضع الفلسطيني، الذي بلغ الآن عقده الخامس دون أيّ حلّ حاسم، يقدّم طبعة منفلتة وغريبة الأطوار إلى أبعد حدّ من الرواية البيكارسكية(3)، التي، بتباهيها بلا مبالاتها ونكايتها، إنّما تدور في النثر القصصي العربي حول المدى الذي يمكن أن يصل إليه المرء بعيداً عن جلال محفوظ وفخامته.‏

أمّا لبنان، المجتمع الآخر الشاذ والمقاوِم، فقد تغيّر على نحوٍ أشدّ نمطية، ليس فيما يتعلّق بالروايات أو حتى القصص، وإنما أيضاً فيما يتعلّق بالأشكال الأسرع زوالاً، كالصحافة، والأغاني الشعبية، والملاهي، والمحاكاة الساخرة، والمقالات. فالحرب الأهلية، التي بدأت رسمياً في نيسان 1975، كانت شديدة القوة في تأثيراتها التفكيكية بحيث بات قرّاء الكتابة اللبنانية بحاجة لمن يذكّرهم من حين لآخر أنَّ هذا البلد هو (أو كان)، في النهاية، بلد عربي، تشترك لغته ويشترك ميراثه بالكثير الكثير مع كتّاب مثل محفوظ. والحقّ، أنَّ الرواية في لبنان توجد إلى حدٍّ بعيد كشكلٍ يسجّل استحالته الخاصة، متكشّفاً أو منفلتاً عن السيرة الذاتية (كما هو الحال في الانتشار اللافت لكتابة النساء اللبنانيات)، أو الريبورتاج، أو الخليط، أو الخطاب بلا مؤلِّف.‏

وهكذا فإننا نجد على الطرف الآخر من محفوظ شخصية إلياس خوري اللامعة، الملتزمة سياسياً، بنماذجه الخاصة شديدة الحراك، والذي يظهر عمله بالإنجليزية لأول مرّة الآن من خلال ترجمة عمله القصصي المهم والأول الجبل الصغير (1977)(2). فخوري هو كتلة من المفارقات، خاصةً إذا ما قورن بالروائيين العرب الآخرين من جيله. فهو، مثل الغيطاني صحفي ممارِس، وكان كذلك طوال اثنتي عشرة سنة على الأقل. لكنه بخلاف الغيطاني ـ الذي يشاطره مواهبه في الابتكار والأداء اللفظي البارع ـ مناضل سياسي منذ نعومة أظفاره، كونه قد ترعرع كتلميذ في الستينيات في عالم السياسة اللبناني والفلسطيني المحتدم في الشوارع. وبعض ما يصفه في الجبل الصغير من قتال المدينة والجبل في الأيام الأولى للحرب الأهلية اللبنانية (خريف 1975 وشتاء 1976) يرتكز على هذه التجارب. وبخلاف الغيطاني أيضاً، فإنَّ خوري محرِّر في إحدى دور النشر، حيث عمل طوال عقد لدى أحد الناشرين البارزين في بيروت، ونشر خلال تلك الفترة قائمة لافتة من الترجمات العربية لكبريات الكلاسيكيات العالمثالثية ما بعد الحديثة (فونيتس، ماركيز، أستورياس) (4).‏

وخوري، علاوة على ذلك، ناقد ثاقب إلى أبعد الحدود، وثيق الصلة بالشاعر الطليعي أدونيس ومجلته البيروتية مواقف. وبينهما، فإنَّ أعضاء جماعة مواقف تولّوا في السبعينيات أمر القيام ببعضٍ من أدقّ الاستقصاءات بشأن الحداثة والحداثيّة. ولقد كان لخوري، انطلاقاً من هذا العمل، إلى جانب صحافيته الملتزمة ـ فهو وحده تقريباً من بين الكتّاب اللبنانيين المسيحيين من اعتنق، من قلب بيروت الغربية وبمخاطرة شخصية شديدة، قضية مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان ـ أن يصوغ (بالمعنى الجويسي) (5) سيرةً أدبية ما بعد حداثية، وطنية وروائية، بعيدةً عن التقليدية.‏

ويشكلّ هذا تعارضاً صارخاً مع محفوظ، الذي اتّبع إخلاصه الفلوبيريّ للأدب والكتابة مساراً حداثياً إلى هذا الحدّ أو ذاك. فأفكار خوري عن الأدب والمجتمع مُجَانِسَة لوقائع لبنان التي غالباً ما تكون متشظية على نحوٍ مربك، حيث فُقِدَت الثقة بالماضي، والمستقبل أبعد ما يكون عن اليقين، والحاضر مجهول، كما يقول في إحدى مقالاته.‏

وبالنسبة لـه ربما كان الخيط الأشدّ تمثيلاً والأجمل في الكتابة العربية الحديثة هو ذاك المستمدّ، ليس من الأشكال المستقرة والمكرورة سواء كانت محلية مرتبطة بالتقليد العربي (القصيدة) أو مستوردة من الغرب (الرواية)، وإنّما من تلك الأعمال التي يصفها بأنّها بلا شكل؛ يوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم، والأيام لطه حسين، وكتابات جبران ونعيمة. فهذه الأعمال، كما يقول خوري، شديدة الجاذبية وقد خلقت في واقع الأمر الكتابة العربية “الجديدة” التي لا يمكن أن نجدها في القصص التقليدية التي قدّمها الروائيون التقليديون. وما يجده خوري في هذه الأعمال التي بلا شكل هو على وجه الدّقة ما دعاه المنظّرون الغربيون بـ “ما بعد الحديث”: ذلك الخليط الأساسي من السيرة الذاتية، والقصة، والخرافة، والخليط، ومحاكاة الذات الساخرة، التي يلقي عليها ضوءاً قوياً ضربٌ من الحنين الملحّ والغريب المخيف.‏

والجبل الصغير تكرر على طريقته الخاصة من غياب الشكل بعضاً من حياة خوري: سنواته الأولى في الأشرفية (وهي منطقة محلية في بيروت الشرقية، تُعْرَف بالجبل الصغير)، ونفيه منها لاتخاذه موقفاً إلى جانب التحالف الوطني (الإسلامي والفلسطيني)، والحملات العسكرية التالية في الشطر الأخير من العام 1975 ـ في الوسط التجاري لبيروت وجبال لبنان الشرقية ـ وأخيراً اللقاء في المنفى مع صديق في باريس. وهكذا تتقشّر فصول العمل الخمسة منفتحةً من بيت العائلة في الأشرفية، الذي لم يعد بمقدور خوري ولا السارد أن يعودا إليه، نظراً لمفاعيل الحرب الأهلية اللبنانية غير العكوسة، إلى أن تصل الفصول الخمسة إلى خاتمتها دون أن تتوصّل إلى أيّ ضرب من الراحة، أو أي ضرب من المحطّ. ذلك أنَّ بصيرة خوري في هذا العمل الذي يعود إلى العام 1977 واستشرافه فيه مكّناه من رؤية الحال الأسوأ الذي ينطوي عليه الوضع، والذي انتهى فيه تاريخ لبنان الحديث (الحداثي)، ونبعت منه سلسلة من الكوارث التي لا يكاد تخيّلها (المذابح، والتدخلات السورية والإسرائيلية، والمأزق الراهن وما فيه من تقسيم).‏

ويقوم الأسلوب في الجبل الصغير على التكرار قبل أيّ شيء آخر، كما لو أنَّ السارد بحاجة إلى ذلك كيما يثبت لنفسه أن تلك الأشياء التي لا تُطَاق قد حدثت فعلاً. والتكرار أيضاً، وكما يقول السارد، هو البحث عن النظام؛ أن تتفحّص الأمور وتراجعها مراجعة وافية لكي تجد، إِنْ أمكنك ذلك، النسق الأساسي، أو القواعد والبروتوكولات التي نشبت على أساسها حرب أهلية هي الأبغض من بين جميع الكوارث الاجتماعية. والتكرار يفسح في المجال للغنائية، تلك الضروب من التحليق الاستعاري التي سرعان ما يُرَى من خلالها ويُسَجَّل ذلك الرعب المطلق الذي ينطوي عليه ما يحدث ـ‏

منذ أيام المغول أو قبلهم أو بعدهم، ونحن نموت مثل الذباب. نموت دون أن نفكّر. نموت من الأمراض، من البلهارسيا، من الطاعون… بدون وعي، بدون كرامة، بدون شيء.‏

ثمَّ يسقط ثانيةً في الغفلية وما هو مجهول.‏

ويقوم أسلوب خوري أيضاً على الكوميديا والاستهزاء. إِذْ كيف للمرء بغير ذلك أن يفهم تلك الحقائق الدينية التي يقاتل من أجلها ـ حقيقة المسيحية، مثلاً ـ إذا ما كانت الكنائس معسكرات جنود أيضاً، وإذا ما كان الكهنة، كالأب الفرنسي مرسيل في الفصل الثاني من الجبل الصغير، عنصريين ثرثارين ومخمورين؟ وتطواف خوري البيكارسكي عبر المشاهد اللبنانية التي يوفّرها النزاع المدني يكشف عن مناطق من انعدام اليقين والتشوّش لم يُفَكَّر فيها من قبل، سواء في هدوء الطفولة أم في يقينيات الطائفة الأصلية، أو الطبقة، أو العائلة. وما يبرز في النهاية ليس الأشكال حسنة الصياغة، والمدروسة التي نحتها فنان motjuste (7) (مثل محفوظ)، بل سلسلة من المناطق التي تجرفها ضروب من القلق، والذكريات، والفعل غير المكتمل، لم يُفْصَح عنها سوى نصف إفصاح. أمّا الوضوح غير المعتاد فلا يُقَدَّم لنا إلا في بعض الأحيان، عادةً بشكل ضروبٍ عدمية من الحكمة (“اكتشف العلماء أنهم يستطيعون أن يصيروا لصوصاً”) أو مشاهد على الشاطئ، لكن فقدان الوجهة ثابت على الدوام تقريباً.‏

ومما نطلع به من كتابة خوري ذلك الإحساس غير العادي بالخروج على الرسمية. فقصة مجتمعٍ منحلٍّ تتكشّف أمامنا مع إجبار السارد على مغادرة بيته، والقتال في شوارع بيروت وفي الجبال، واختباره موت رفاقه وموت الحب، وانتهائه بأن يعترضه جندي مُسَرَّح مختلّ في ممرّات ورصيف مترو باريس. فالأصالة المدهشة في الجبل الصغير هي في تفاديها ما هو ميلودرامي وتقليدي؛ حيث يحبك خوري الأحداث بلا وهم أو نسق متوقَّع مسبقاً، أشبه بسجين غريب يطلق سراحه فجأةً فيجول من مكان إلى مكان، وراءً وقُدَّاماً، ملتقطاً الأشياء عبر لغة تلك الأرض التي تُنْطلق بفصاحة مدهشة لكنها بالنسبة له تقريبية على الدوام ومربكة بعض الشيء. وبالطبع، فإنَّ عمل خوري يجسّد، أخيراً، حقيقة مأزق لبنان، بخلاف استقرار مصر المهيب كما ينقله قصّ محفوظ. بيد أنني أتوقّع أنَّ نسخة الواقع التي يقدّمها خوري هي في حقيقة الأمر أشدّ نمطية، على الأقل بقدر ما يتعلّق الأمر بمسار الشرق الأوسط الراهن. ولطالما كانت الرواية مرتبطة بالدول القومية، أمّا في العالم العربي فقد اشتُقَّت الدولة الحديثة من تجربة الكولونيالية، وفُرِضَتْ من فوق ووُرِّثَتْ، بدلاً من أن تُنَال عبر عذابات الاستقلال. وليس اتهاماً لمأثرة محفوظ الهائلة أن نقول إِنّ فرصته، من بين الفرص التي أُتيحت للكاتب العربي في القرن العشرين، قد كانت تقليدية بالمعنى المشرِّف: فقد أخذ الرواية من أوروبا وصاغها بحسب هوية مصر الإسلامية والعربية، متنازعاً مع الدولة المصرية ومساجِلاً إياها، إنّما مع بقائه الدائم واحداً من مواطنيها. أمّا مأثرة خوري فتقع في الطرف الآخر من المقياس. فهو، وقد يتّمه التاريخ، ذلك المسيحي الأقلويّ الذي غدا مصيره أن يهيم على وجهه لأنه لا يستطيع التكيّف مع تلك الإقصائية التي يتقاسمها المسيحيون مع أقليات أخرى في المنطقة. والشكل الجمالي الأساسي لتجربته هو التمثّل ـ إِذْ يبقى عربياً، وجزءاً مهمّاً من الثقافة ـ المُبْتَلى بالرفض، والانجراف، والضلال، وانعدام اليقين. وكتابة خوري تمثّل أيام البحث والتجربة الصعبة التي تعبّر عنها الآن في المشرق العربي الانتفاضة الفلسطينية، حيث تندفع طاقات جديدة عبر خزّانات العادة والحياة القومية وتتفجّر في اضطرابات مدنية مخيفة. وخوري، إلى جانب محمود درويش، هو ذلك الفنان الذي يعبّر عن المنفيين الذين لم يفقدوا جذورهم وعن محنة اللاجئين اللذين تُقْفَل الأبواب في وجوههم، عن إزالة الحدود وتغيير الهويات، عن مطالب راديكالية ولغات جديدة. ومن هذا المنظور فإنَّ أعمال خوري تُلقي على محفوظ تحية وداع لا مفرّ منها غير أنها مفعمة بالتقدير العميق.‏

وإنها لمفارقة ساخرة وضَرْبٌ من التناقض الجدير بأن يُذْكر في خاتمةٍ كهذه أنَّ درويش، وخوري، وأنا كنا قد التقينا معاً لأول مرّة منذ ست سنوات في الجزائر الأسبوع الفائت، لكي نحضر اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني. وكان درويش قد كتب إعلان الدولة، الذي ساعدتُ في إعادة صياغته وترجمته إلى الإنجليزية. وإلى جانب الإعلان، وافق المجلس الوطني الفلسطيني على قرارات تتعلق بإقامة دولتين على فلسطين التاريخية، إحداهما عربية، والأخرى يهودية، يكون تعايشهما كفيلاً بأن يضمن تقرير المصير لكلا الشعبين. ولقد علّق خوري بلا هوادة، إنّما بحنان، وكلبناني، على ما فعلناه، مشيراً إلى أن لبنان ربما يغدو في يوم من الأيام مثل فلسطين. كنا ثلاثتنا موجودين كمساهمين ومراقبين. وكُنَّا، بالطبع، على قَدْرٍ هائل من الإثارة: غير أنَّ درويش وأن كنا قلقين من أن نصّينا كانا يخضعان لبتر وتشويه السياسيين وكنا أشدّ قلقاً لأن دولتنا ليست، في النهاية، سوى فكرة. لعلَّ من غير الممكن تغيير عادات النفي والحالة الشاذة بقدر ما يتعلّق الأمر بنا نحن أنفسنا: غير أنَّ فلسطين ولبنان، لفترةٍ قصيرةٍ لم يتوقف الكلام فيهما، كانتا حيتين في النّصين.‏

الهوامش:‏

1 ـ هذا ما ورد في الأصل من اعتبار أولاد حارتنا ثلاثية.‏

2 ـ قلق التأثير، anxiety of influence، مفهوم جاء به الناقد الأميركي هارولد بلوم وأعاد على أساسه كتابه التاريخ الأدبي بالارتباط مع عقدة أوديب. فهو يرى أنّ الشعراء يعيشون بقلق في ظلّ شاعر “قوي” سبقهم، كما يعيش الأبناء في ظلّ قمع الآباء الذي ينالهم. وهكذا تكون قصائد هؤلاء الشعراء محاولة للفرار من “قلق التأثير” هذا عن طريق صياغتها الجديدة لقصيدة سابقة. بمعنى أنَّ الشاعر، وقد أطبق عليه التنافس الأوديبي مع “سلفه” الخاصي”، يلجأ إلى تجريد تلك القوة من السلاح عن طريق اقتحامها من الداخل، كاتباً بطريقةٍ تنقّح، وتبدّل، وتعيد سبك قصيدة السلف.‏

3 ـ الرواية البيكارسكية، picaresque novel، هي رواية تُعنى بمغامرات المتشردين من الشطّار والعيّارين.‏

4 ـ الإشارة هنا إلى سلسلة “ذاكرة الشعوب” التي صدرت عن مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت.‏

5 ـ نسبةً إلى جيمس جويس.‏

6 ـ نسبة إلى غوستاف فلوبير.‏

7 ـ بالفرنسية في الأصل: بمعنى الكلمة.‏

(1) نُشِرَت ترجمة فاروق عبد الوهاب لرواية الزيني بركات إلى الإنجليزية في دار النشر Viking عام 1988.‏

(2) نُشِرَت هذه الترجمة التي أنجزتها مايا تابت في مطبوعات جامعة مينيسوتا.‏

Advertisements

One response to “ما بعد نجيب محفوظ: رؤية إدوارد سعيد

  1. هل كان محفوظ يتوقع فوزه بجاءزة نوبل ?

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s