إسرائيل ما بعد اقتحام السفارة… ملاحظات

يوما بعد يوم تتأكد فرضية أن “الربيع العربي” سوف يعيد ترتيب منطقة الشرق الأوسط من جديد خاصة موقع إسرائيل على خريطته.

بخلع مبارك، خسر الإسرائيليون حليفا استراتيجيا لن يحظوا بمثله في السنوات المقبلة.  كانت وجهة نظر مبارك -حيال إسرائيل- هي الحفاظ على مستوى معين من التعاون الاقتصادي والعلاقات الأمنية يزيد أو يقل حسب الظروف.

العسكر الذين ورثوا إدارة البلاد بعد خلع مبارك سارعوا يوم 12 فبراير بإصدار البيان رقم 4 وفيه رسالة تطمين إلى تل أبيب مفادها “التزام جمهورية مصر العربية بكل الالتزامات والمعاهدات والاتفاقيات الإقليمية والدولية.”

لكن تحولات الثورة المصرية فضلا عن تحولات في مواقف دول اقليمية تعزز القول بإن إسرائيل تواجه مأزقا فعليا.

هذه بعض النقاط لتحولات المشهد:

أولا: طبيعة رد الفعل الشعبي على قتل إسرائيل لستة من الجنود المصريين تغير فعليا. فعلى الرغم من أن لإسرائيل ملف طويل في انتهاك الحدود المصرية، إلا أن رد الفعل على الشهداء الذين سقطوا في أغسطس الماضي كانت مختلفة.واتخذ الغضب الشعبي منحى جديدا، حين أيدت قوى سياسية مختلفة مطلب إلغاء معاهدة السلام أو على الأقل تعديل بنودها. وتصاعدت دعوات شعبية تطالب بطرد السفير الإسرائيلي (المجلس العسكري هدد بسحب السفير المصري فقط).

(كانت إسرائيل قد زعمت في 18 اغسطس الماضي أن مسلحين فلسطينيين تسللوا عبر شبه جزيرة سيناء وقتلوا ثمانية اشخاص. وردت تل أبيب بقتل سبعة من المسلحين في اشتباكات أدت أيضا الى مقتل خمسة من جنود حرس الحدود المصريين وصلوا اليوم السبت إلى ستة بعد وفاة المجند عماد عبد الملاك.)

(انظر هنا قائمة بالشهداء و الجرحى المصريين برصاص إسرائيل منذ عام 2000).

ثانيا:

في جمعة تصحيح المسار خرج محتجون مصريون ليهدموا الجدار الذي أقامته القوات المسلحة حول مبني السفارة، ثم اقتحموا السفارة نفسها مجبرين كل الديبلوماسيين الإسرائيليين على مغادرة مصر.

مذيع النيل للأخبار كرر مرارا على التزامات مصر الدولية في حماية السفارة، وأكد لا فض فوه على أنه من حق إسرائيل للجوء إلى المجتمع الدولي كي تطالب بتعويضات (غريبة مصر الرسمية لا تعرف القانون الدولي إلا فيما يتعلق بإسرائيل).

لكن الأهم هنا ليس في القانون الدولي ولكن في أن الاقتحام كما قال “ألوف بين” (رئيس تحرير صحيفة هآرتس) سيؤثر جوهريا على طبيعة العلاقات المصرية الإسرائيلية. “يبدو أن العلم (الإسرائيلي) لن يعود إلى مكانه قريبا”، هكذا كتب بين.

ثالثا:

هذه النقطة  تتعلق بالتصدع الحادث في علاقاتها الإستراتيجية مع تركيا.

التوتر التركي-الإسرائيلي ليس وليد اليوم. فضربة البداية في تصدع العلاقات بين الحليفين كانت على خلفية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي تحكمه حركة حماس الفلسطينية أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009. هذه العلاقات تلقت ضربة موجعة في مايو 2010 حين أغارت فرقة كوماندوز إسرائيلية على سفينة مساعدات تركيا في طريقها لغزة حاصدة أرواح تسعة أتراك.

وفور هذا الهجوم، سحبت أنقرة سفيرها لدى إسرائيل وعلقت التدريبات العسكرية المشتركة ومنعت الطائرات الحربية الإسرائيلية من دخول المجال الجوي التركي.

 (هذا إلى جانب المشادة اللفظية بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في منتدى دايفوس وهناك حادثة “إذلال السفير التركي في تل أبيب).

وشهد يوم الخميس 1 سبتمبر تحولا فارقا في العلاقات فيما بين أنقرة وتل أبيب بعد صدور تسريبات صحفية حول مضمون تقرير للأمم المتحدة خلص فيه إلى أن حصار تل أبيب البحري لقطاع غزة مشروع وفقا للقانون الدولي.

في اليوم التالي  (الجمعة 2 سبتمبر)  طردت تركيا السفير الإسرائيلي لدى انقرة، وخفضت مستوى العلاقات الدبلوماسية.

وفي يوم 6 سبتمبر قالت أنقرة إنها ستجمد العلاقات التجارية المتعلقة بالجوانب الدفاعية مع إسرائيل وستعزز الدوريات البحرية في شرق البحر المتوسط. وهدد أردوغان بإرسال سفن حربية إلى المياه التي تعمل فيها البحرية الإسرائيلية.

ما الذي يعنيه هذا؟

تشير هذه التحولات إلى حالة العزلة التي تعيشها إسرائيل حاليا. نعلم علم اليقين طبيعة العلاقات فوق الإستراتيجية التي تربط ما بين تل أبيب وواشنطن. لكن منذ ولادتها- غير الشرعية- دأبت إسرائيل على الاعتماد على وكلاء إقليميين تضرب بهم جذور عزلتها في المنطقة.

طيلة ثلاثة عقود من الزمان كان حليف إسرائيل في المنطقة هو نظام حكم الشاه في إيران (كان ثانى دولة إسلامية في العالم تعترف بإسرائيل). وبعد قيام الثورة الإيرانية، أضحت تركيا هي الحليف الاستراتيجي لإسرائيل في المنطقة. وبتوقيع مصر على معاهدة السلام، دخلت القاهرة كحليف استراتيجي آخر لإسرائيل (خاصة في السنوات العشر الأخيرة لحكم مبارك).

قد ينعت البعض حلفاء إسرائيل بالعمالة، لكن الواقع يقول (بغض النظر عن كونهم عملاء أم لا) أن تصورات مبارك مثلا كانت في إدراكه أن تحقيق التقارب مع الولايات المتحدة يمر عبر بوابة إسرائيل.  هذا الإدراك تحول نوعيا بعد قدوم الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة وضغوطه على النظام المصري من أجل تحقيق مزيد من الإصلاح السياسي. مبارك وقتها ظن أن تقوية العلاقات مع إسرائيل (مزيد من التطبيع في الكويز، وصفقة إطلاق سراح عزام عزام ثم إتفاقية الغاز) هي الطريق الأمثل لتفادي ضغوط بوش.

الآن أطراف وموضوعات كل هذه المعادلات في تغير مستمر. قاهرة الثورة  غير معنية بالضغوط الأمريكية. وبات من أولويات الثورة  موضوع السيادة بمعني بسط كامل السيطرة المصرية على سيناء، او حتى الدخول في معركة مع مجلس العسكر لتحقيق الرقابة السياسة على تحالفاتهم الإستراتيجية مع واشنطن.

من هنا فإن موقف “مصر الثورة” يختلف في النوع عن موقف تركيا “الحكومة المتصلبة” تجاه إسرائيل.

معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام  يلقي الضوء على العلاقات العسكرية المتينة بين إسرائيل وتركيا. تل أبيب تعد مصدرا مهما لأنقرة فيما يتعلق بتحديث ترسانتها العسكرية. خلال خمس سنوات مثلا (2005-2010) أعادت إسرائيل تحديث 170 دبابة تركية من طراز ام-60ايه1 الى تركيا في صفقة بلغت قيمتها 688 مليون دولار.  كما تعد تل أبيب مصدرا مؤثرا لتركيا فيما يتعلق بالحصول على معدات عسكرية حديثة. (آخر الصفقات المعلن عنها كان في شراء تركيا عشر طائرات بدون طيار من طراز هيرون في عام 2010 بإجمالي 183 مليون دولار).

من هنا من الصعب بالنسبة لي تصور أن تصدع العلاقات بين تركيا وإسرائيل سيستمر طويلا. لكن يبدو أن أنقرة تحاول تقليم أظافر إسرائيل.

تل أبيب من ناحيتها لا تزال تكابر. لا يريد رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يقدم اعتذار لتركيا سيكون سابقة وعلامة ضعف شديد، فضلا عن كون الاعتذار خطوة لا يحمد عقباها مع شركائه اليمنيين في الائتلاف الحاكم.

أفجيدور ليبرمان، وزير الخارجية الإسرائيلي، استغل نقطة ضعف تركية تتمثل في أن تل أبيب ساعدت أنقرة مرارا بمعلومات استخباراتية عن الأكراد المتمركزين في جنوب شرق تركيا.

ليبرمان أعلن علانية على إسرائيل لديها خيار يتمثل في دعم حزب العمال الكردستاني من أجل تحقيق التوازن مع تركيا.

+++

في مقال “ألوف بين” في هآرتس، يرى الرجل بموقع الخبير الذي يقرأ المستقبل أن المؤرخين سيتخذوا من السنوات الأخيرة لحكم مبارك بداية النهاية لمعاهدة السلام الإسرائيلية. خلال هذه السنوات “فقدت الحكومة (المصرية) بالتدريج السيطرة على سيناء، محولة الصحراء إلى تخوم مهجورة لتهريب السلاح والاتجار في البشر واللاجئين الأفارقة”.

طبعا هذا هو المنطق الإسرائيلي شديدة الانتهازية.  لا يرى في سقوط المعاهدة (إن سقطت) سوى أنها خطأ الغير. يمكن إسقاط المعاهدة من الجانب المصري لأنها مجحفة، ولأنها تحدد من الخيارات المصرية وتحجم درجة استقلالية السياسة الخارجية المصرية. يمكن النظر للمعاهدة أيضا على أنها أفقدت مصر السيادة الحقيقة على الأرض ومن ثم أوقفت تنمية المكان.

Advertisements

One response to “إسرائيل ما بعد اقتحام السفارة… ملاحظات

  1. Pingback: الشعب المصري … البعبع الجديد للكيان الصهيوني « أنا مستنياك من الصبح يا أستاذ شبار‏ة – نجوي فؤاد في حد السيف . سحر الباك الإسلامي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s