الصحف العربية وهذا العقيد

Marcos Brindicci/Reuters

هل طالعتم الصحف العربية خلال اليومين الماضيين؟

ربما سيلفت نظركم كم المقالات المهول المخصص لبحث وتمحيص الظاهرة القذافية. تغص صحفنا بأفكار وعبارات مكررة ورتيبة عن القائد “المختل”. جميعنا-وأعني جميعنا- يعرف عوارض ومظاهر اختلال هذا الرجل. كم ضحك وتندر عليه في وقت لاذت فيه صحفنا المصرية بالصمت فيما انهمك مركز الدراسات السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في استضافة مؤتمرات مشتركة مع مراكز بحثية مهمتها البحث في كتاب القذافي الأخضر. قبل شهور قليلة- قبل الثورة المصرية- لم  يذكر اسم هذا الشخص إلا وتسبقه جملة طويلة للتعريف به “الأخ العقيد معمر القذافي قائد الثورة الليبية”.

لكن على أيه حال، هناك استثناءات في مقالات الصحف. لعل أهمها-من وجهة نظري- عمود حازم صاغية المعنون “هذا العقيد” الذي كتبه في فبراير الماضي محللا فيه ظاهرة هذا القذافي.

حسب صاغية يختلف الطاغية الليبي عن أقرانه صدّام حسين و زين العابدين وحسني مبارك، ذلك لأنه يجسد:

اللامعنى المحض الذي أنتجته الجوانب السوداء من المراحل والأنماط الاجتماعيّة التي سادت قبلاً ولا يزال بعضها سائداً. إنّه أسوأ «الأصالة» ممزوجاً بأسوأ الحداثة إذ تتصدّرها، في عرفه، أدوات القتل. وهو خلاصة أسوأ ما في الوعي الامبراطوريّ، وما في الوعي القوميّ، وما في الوعي الدولتيّ، وما في الوعي القَبَليّ معاً وعلى هيئة كيتش صارخ. إنّه ما ابتلعته حقب التاريخ المتتابعة من دون أن تقوى على هضمه كلّه، فتقيّأت منه ما لم تهضمه، بشعاً تافهاً وقاتلاً. إنّه تطفيل العقل حين يغدو هذا التطفيل شرطاً شارطاً للتعامل بجدّ مع عقل صاحبه.

مقال صاغية جدير بأن يوضع في “متحف أشهر السطور العربية المكتوبة عن الطغاة” ذلك لأنه وبفعل “الربيع العربي” لن يكون هناك قذافي آخر يمثل هذا النمط من اللامعنى المحض.

عادل الطريفي في الشرق الأوسط يتعرض للقذافي ولكن بمعني أكثر صحفية، حيث يستعرض ممارسة استخباراتية أمريكية راسخة تتعلق بالتحليل النفسي للقذافي. يكتب عادل: 

ربما كانت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» أول من نشر معلومات تسربت من «البروفايل النفسي» لشخصية العقيد القذافي؛ حيث وصفته المصادر في عام 1981 بأنه «شخصية مضطربة – بشكل استثنائي – وتعاني عقدة نقص خطيرة»، وفي حدود أوائل التسعينات، علق أحد المطلعين على بروفايل القذافي لمجلة «فورن بولسي» الأميركية قائلا: «كان هناك ميل في البداية لاعتبار القذافي شخصية سطحية (ساذجة)، ولكن البروفايلات التي عملت له تظهره على أنه مجنون مثل ثعلب»

هناك من تحدث عن القذافي بوصفه “غير المسبوق” وأنه  مثل “صفحة مميزة في كتاب الاستبداد العربي”:

إنه صاحب الأرقام القياسية. ليس فقط لأنه أقام اربعة عقود وتضاعفت شهيته. بل أيضاً لأنه لم يحدث ان انتهك حاكم القانون الدولي قدر ما انتهكه. لم يرسل حاكم من المتفجرات ما أرسل. هداياه انفجرت بحراً وبراً وجواً. قدرة استثنائية على إنجاب الحرائق والأرامل واليتامى. كثيرون غرفوا من نبعه وأرسلهم في مهمات. الأعوام الأخصب في مسيرة «أبو نضال» تحمل بصماته. والأمر نفسه عن كارلوس. وإنجازات «الجيش الأحمر الياباني». و «الألوية الحمر» الإيطالية. حقائبه انفجرت هنا وهناك. وأمواله زعزعت الاستقرار في أكثر من قارة. قصة لوكربي معروفة. وقصة طائرة «يوتا» فوق النيجر. الأخ القائد يحب الإثارة. يريد إخضاع العالم. واقتداء بماو تسي تونغ وجوزف ستالين كان له كتاب – منارة سمّاه «الكتاب الأخضر».

هذه الصفحة لن تتكرر بدورها، فإرادة الشعوب أقوى. ألم يعلمنا الشابي أن على القدر أن يستجيب لإرادة الشعب (إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة… فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ). 

في “الحياة” يعيد الياس حرفوش تقديم هذه الوعظة التاريخية عن الشعوب والطغاة:

لا تزال ليبيا موجودة على خريطة العالم رغم غياب القذافي عن حكمها. والشعب الليبي قادر على الأكل والشرب والتنفس وممارسة حياته اليومية الطبيعية، من دون أن يسترشد بتعاليم «الكتاب الأخضر». لقد أثبت هذا الشعب أنه مستعد للتضحية بأغلى ما يملك، أي بحياته، في سبيل كسب حريته. وكادت تنسينا العقود الجائرة الطويلة من حكم العقيد، أن الشعب الليبي قادر على الوقوف على قدميه وعلى تقديم هذه التضحيات.

ينبغي هنا أن أذكر بأن موجة التفاؤل وإعلاء دور إرادة الشعب في سحق الطغاة نبرة جديدة تماما. يغص التاريخ السياسي العربي بذلك الشعب الذي دحر الاستعمار (حالة مصر الناصرية) وقاوم إسرائيل (حالة سوريا البعثية) وتصدى للهجمة الصهيوأمريكية (حالة عراق البعث) وحارب الإمبرالية الأمريكية (ليبيا القذافي). لكن الشعب الذي يدحر طغاته كان مفردة للتندر ليس إلا.

هرب الحاكم والحاشية، وبقينا نحن كما قال أمل دنقل: ونأوي الى جبلٍِ لا يموت. (يسمونَه الشَّعب!). صلاح عيسى كاتب “بيان مشترك ضد الزمن” سخر بمرارة من هؤلاء المناضلين الذي دافعوا عن الشعب المقهورة:

والآن فلتسمعوا يا حشرات الأرشيف.. دعوني أقدم لكم هذا الرجل العظيم الذي قضى في السجون عشر سنوات من أجل من يسميهم بالشعب المصري. وهو بطل، أقسم على ذلك بأشهى من ضاجعت من نساء، ولكن الذين أضاع عمره من أجلهم، ونحن منهم، قضوا أعمارهم في تدخين الحشيش وابتلاع المنزول، ومضاجعة النساء، وأحيانا الغلمان والبهائم لذلك فهو في الغالب مجنون.. فوق إنه بطل

رياض نجيب الريس عبر عن هذا التشاؤم في تسعينيات القرن الماضي. الحصار الاقتصادي المحكم في العراق والذي لا يطول الطاغية صدام. وخلص منها إلى السؤال المر: ﺍﻟﻁﻐﺎﺓ ﻴﻌﻴﺸﻭﻥ ﺃﺒﺩﺍ، ﻭﺍﻟﺸﻌﻭﺏ ﺘﻤﻭﺕ ﻜﻤﺩﺍ؟

لكن وبغض النظر عن منطق التشاؤم القديم ونقيضه الحالي، يبقى سؤال عن الظروف التي أنتجت هؤلاء الطغاة ومهدت تربة تتجذر فيها ممارساتهم. وجه من الإجابة نجده عند حازم صاغية الذي يرى أن صعود الطغاة في القارة الأفريقية (نمط سبعينيات القرن العشرين) موصول:

بطبيعة البلدان المعنية وتطورها، من حيث التشكل السياسي المتأخر وعجز بُنية الدولة الوطنية عن التغلب على البنى العشائرية والدينية والطائفية القائمة. بيد أن الصعود المذكور جاء موصولاً أيضاً بظرف زمني وتاريخي مفاده تراجع الديكتاتوريات العسكرية الصلبة التي سبق أن أقامتها «حركة التحرر الوطني» بُعيد الاستقلالات، وكانت مسنودة بتحالفها مع المعسكر السوفياتي.

ففي السبعينات، لم يعد وارداً ظهور كوامي نيكروما وموديبو كيتا وأحمد سيكوتوري، كما لم يعد متاحاً بروز زملاء لهم خارج أفريقيا، على ما كانت حال أحمد سوكارنو في أندونيسيا مثلاً. في المقابل، راح زعماء كاريكاتوريون، من نوع عيدي أمين وبوكاسا، يصعدون إلى الواجهة ويتولون خنق أنفاس الشعوب التي يحكمونها.

هؤلاء أتوا إلى الواجهة في زمن من الرخاوة ترجم نفسه تحرراً من كل معنى وانفكاكاً عن كل قيمة.

رندة تقي الدين تعطي سببا آخرا يتمثل في دور القوى الغربية في إنتاج ودعم الطغاة العرب:

فمن يصدق ان القذافي، المطارد اليوم مثل الجراذين التي يتحدث عنها، كان ضيف ساركوزي في ٢٠٠٧، ونصبت له خيمة في قصر الجمهورية التاريخي، واستقبل بحفاوة لا مثيل لها، رغم الجرائم التي ارتكبها ليس فقط تجاه شعبه وبلده، بل أيضاً إزاء فرنسا والشعب الفرنسي، حيث فجر طائرة تقل فرنسيين مدنيين

حالة الدعم الغربي لا تقتصر على القذافي، هناك أيضا سوريا

فمسؤولية الغرب كبيرة هنا أيضاً، فهو قد غضّ الطرف طويلاً عن كل القمع والبطش الذي قام به النظام السوري في بلده سورية وفي لبنان، وهو اليوم مسؤول عن مساعدة ابناء الشعب السوري الذين يتطلعون الى الحرية والحياة الكريمة.

لكن جل هذه المقالات تنظر إلى الماضي. تحلل ظاهرة باتت والحمد لله  تنتمي إلى صفحات التاريخ العربي الأسود. مقال  عبدالله إسكندر يختلف في أنه ينظر إلى الأمام حيث يقدم طرحا برجماتيا عن ليبيا والغد. عن التحديات التي ستواجه المجلس الوطني الانتقالي أو بمعني أدق حكام ليبيا الجدد

سيواجهون اولاً مشكلة اولويات إعادة البناء، وثانياً عدم السقوط في استسهال العروض والعقود.

وقد يحتاج هؤلاء الحكام إلى اداريي الحكم السابق في تسيير الشؤون العامة، وفي اعادة بناء اجهزة الدولة، وهنا سيواجهون تحدياً آخر، عبر كيفية التوفيق في بناء الدولة الحديثة ومؤسساتها والتعامل مع بقايا العهد البائد.

عثمان ميرغني في الشرق الأوسط طرح مقاربة أخرى تتعلق بتأثير ما يحدث في ليبيا على  سوريا واليمن: (أطلق سؤالا في متن المقال لا أجابه له: من أي كوكب جاء بعض زعمائنا؟)

مبارك لم يستفد من تجربة بن علي، ولم يفهم رسالة شعبه، فأضاع فرصة التنحي. كذلك فعل علي عبد الله صالح الذي نجا من محاولة اغتيال، ولا يزال يرفض فهم رسالة الشارع اليمني. بشار الأسد مضى بعيدا في الإصرار على التصدي للانتفاضة التي اعتبرها منذ اليوم الأول مؤامرة تستهدف سوريا ودورها «الممانع» (للتغيير) و«المقاوم» (لرغبة الشعب). أما العقيد القذافي، فهو قصة أخرى، إذ إنه لم يرفض فقط تصديق أن جماهير الجماهيرية يمكن أن تثور ضده، بل اعتبر المنتفضين ضد حكمه جرذانا وحثالة ومحششين لا مكان لهم إلا تحت التراب، وانبرى هو وأبناؤه وكتائبه للقيام بالمهمة فنفذوا العديد من المذابح وارتكبوا الكثير من الفظائع في الزاوية ومصراتة وزنتان ويفرن ونالوت وأجدابيا ومناطق أخرى.

هذه-في ظني- الخيوط الناظمة لتناول الصحف العربية لسقوط الطاغية القذافي. سنجد هذه الخيوط حتما في الصحف الغربية، لكن سنجد أن القضايا الأهم التي تتصدر النقاش هي قضايا ماذا بعد. قضايا تربط الحالة الليبية بغيرها. تفكر في شكل العلاقات الدولية فيما بعد سقوط القذافي. 

المقال التحريري لصحيفة الجارديان البريطانية يرى ما حدث في ليبيا ليس مجرد سقوط نظام على غرار النموذجين التونسي والمصري لكنه سقوط ساعد على إنجازه تدخل حلف شمال الأطلسي. تعترف الصحيفة بانه من المبكر للغاية الحكم فيما إذا كان التدخل العسكري للحلف قد نجح بمعني كلمة نجاح. نحتاح إلى أسابيع إلى إدراك الوجهه التي تذهب إليها ليبيا، وشهور حتى نتلمس بعض مؤشرات للمستقبل وسنين لمعرفة مدي نجاح القرار في دعم “المتمردين” (الثوار) عسكريا.

لكن على العكس، تتوصل ديلي تليجراف إلى نتيجة مغايرة وهي أن التدخل العسكري في ليبيا كان إيجابيا على المسار الذي اتخذه التدخل العسكري في العراق وأفغانستان. التصور كما يطرحه ديفيد أوين يكمن في أن النجاح في ليبيا ” يمثل نموذجا لخلع الطغاة ويعد قابلا للتطبيق في سورية وأماكن أخرى”.

الأندبنتدنت من ناحية أخرى تطرح -في مقال تحريري مطول-  سؤال الوقت وهو عملية “بناء الدولة”، تلك العملية التي لا تزال متعثرة بعد ثمان سنوات من الغزو الأمريكي للعراق. الصحيفة لا تتعجل في طرح فرضيات عن قدرة ليبيا على احتضان نظام سياسي ديمقراطي. هي تتحدث عن أساسيات النظام السياسي فيما بعد القذافي أي سيادة القانون والأمن.

جدير بالذكر أن عماد الدين حسين تحدث في عموده بالشروق عن دروس ينبغي على الليبيين تعلمها من الفشل المصري:

الدرس الأول الذى يجب أن يضعه الثوار الليبيون نصب أعينهم هو الأمن ثم الأمن ثم الأمن، وبعدها يمكن التفكير واتخاذ القرارات بشأن أى موضوع آخر. درس مصر يقول بوضوح إن غياب الأمن أو تراخيه هو الثغرة التى لا تزال الفلول تنفذ منها. ولذلك وجب على الثوار أن يفكروا بسرعة شديدة لتطهير جهاز الأمن فورا وإنشاء شرطة مدربة ومهنية جديدة على أسس نظيفة بدلا من عمليات الترقيع

في الجارديان، يضيف ستيف نيجوس إلى تحليل الإندبندنت بعض الحقائق. هناك مثلا ما يزيد عن 40 ميليشيا خاصة تتبع المجلس الوطني الانتقالي، وهي ميليشيات تورطت في انتهاكات وخروقات ولا أحد يعرف هل هى تحت السيطرة تماما أم لا.


Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s