محمود درويش.. حقا ما أكبر الثورة. ما أصغر الدولة

يوافق التاسع من اغسطس لعام 2011 الذكرى الثالثة لوفاة الشاعر الفلسطيني محمود درويش (اضغط هنا لتصفح موقعه الرسمي). تأتى هذه الذكرى في ظل موجة تحرر غير مسبوقة الشعوب  العربية التي هبت ضد الحكام الضغاة ممن  أدمنوا قمع الداخل لخرافة التفرغ لمحاربة الخارج. كما أنها تأتي قبل أسابيع معددوة من مناقشة قضية إعلان دولة فلسطينية مستقلة من على منبر الأمم المتحدة.

الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي قال في اتصال تليفوني مع يسري فودة على قناة أون تي في (10 أغسطس 2011)، إن محمود طالما بشر شعره بـ :

ما أكبر الثورة… ما أصغر الدولة

والبرغوثي في جملته هذه يشير إلى ما تضمنته قصيدة درويش” ماذا تريد؟” التي قال فيها:

ما أوسع الثورة
ما أضيق الرحلة
ما أكبر الفكرة
ما أصغر  الدولة!..

ولد درويش في 13 مارس من عام  1941 وذلك في قرية البروة بالجليل. تقدم جريدة الدستور ( الأردنية) بعض المعلومات عن المولد والنشأة:

كان والداه من طبقة الفلاحين الوسطى، وكانا كلاهما منهمكين بالعمل في الأرض، فنشأ محمود متأثراً بجده. وعندما استولى الجيش «الإسرائيليّ» على القرية، انتقل درويش وعائلته إلى لبنان، فعاشوا، أولاً، في جزين، ثم في الدامور. بعد عام عادت العائلة إلى موطنها المحتل، ستكون القرية طُمِستْ، وتكون مستوطنتان انتصبتا على الأرض؛ لذلك ستستقر العائلة في دير الأسد بالجليل

تعرف قطاع كبير من المثقفين المصريين على محمود درويش من خلال كتاب الناقد رجاء النقاش “محمود درويش شاعر الأرض المحتلة” الذي صدر عام 1969 (لرجاء فضل أيضا في تعريف المثقفين المصريين بالطيب صالح ورواية “موسم الهجرة إلى الشمال”).

بدأ درويش في إصدار دوايينه الشعرية في ستينيات القرن الماضي حيث أصدر ديوانه الأول عصافير بلا أجنحة عام  1960  (وعمره 19 عاما)، وكتب مقدمة للديوان:

  .. كان ذلك في شهري آب.. وأيلول من هذا العام.. آخر الصيف.. وأول الخريف.. الصيف الحار الفضولي.. الصيف الفنّان.. الصيف الثائر القوي الذي يحمل في قلبه تموز الثائر البطل.. الذي يقول لكل جرح: اثأر! اثأر!.. لقد أذّن الفجر وسبّح.! والخريف.. الفنّان الحزين اليائس.. الذي ذرّى وأسلم أمره.. وكل أيّامه ولحظاته للريح تبعثرها بلا حساب..

.. في آب وأيلول.. ازدحمت الدنيا على بابي: الحب.. والعذاب.. والكفاح.. والثورة.. والألم.. والنداء المبحوح القادم من البعيد.. من البعيد.. وازدحمت في أعصابي الانفعالات والاهتزازات المتلاحقة باستمرار وغرابة.. وأصبت بمرض.. أو سمّوه إذا شئتم إغماءة الكتابة.. كان عليَّ أن ألبّي النداء مرغماً.. وكان عليَّ في هذين الشهرين بدون أن أدري – أن أعيش عاماً كاملاً كان قد مرّ وانزوى في قافلة السنين التي لا تعود.. كان عليَّ أن أعيشه من جديد.. وأحسّ بإحساساته من جديد كأنها واقعة تماماً.. وأنا لا أعرف ماذا أصنع..

.. أقول لكم بصراحة: إن هذين الشهرين حيّراني كثيراً كثيراً.. وفرضا عليَّ نشر ديوان.. وجمعت القصائد هذه الجديدة.. ورجعت إلى بعض مقطوعات قديم.. فلملمت شيئاً منها كنتم قد قرأتموه من قبل.. وأضفته إلى الديوان.. .

وهذه القصائد تقدّس الحرية.. وتقبّل الشهداء.. وتغني على شباك حبيبتي.. وتبكي مع شريد ضائع.. .

 .. فالشعر من الفن.. أعذب وأنعم أغنية على شفاه الفن.. وأعمق جذر في دوحة الفن.. والفن فوق الحدود.. فوق حدود الزمان والمكان..! فكيف نستطيع.. نحن الأقزام على مائدته.. أن نحدده ونكبله.. ونطعمه كلمات واصطلاحات.. وهو العملاق الساحر الذي دوّر الشمس.. وطرّز حلقات النجوم.. وأسبل مخدته جدائل الأصائل والأسحار..!

.. ونقّط على حلمة كل وردة قارورة ربيع رائع!.. ودلق من أباريقه ألف غدير للروعة والسحر!.. وحمل كل حرف من كتابه مفتاح خزانة الحب السحرية!.

.. وهو الذي أشعل حول كل قيد بركان ثورة! .. وفي قلب كل مظلوم جمرة حقد لا تنطفىء!…. 

وعصافير بلا أجنحة خلقت لتطير وتحلّق.. وتدوّخ اللحظات في تحليقها.. شاء لها القدر أن تقص أجنحتها.. وتنزف دمها على شوك الألم والحرمان هدراً وبلا نهاية.. لتعقد قصيدة حمراء على فم التاريخ الإنساني المعذّب.. وشاء لها القدر أن تذرّي الزوابع أعشاشها وتنتف ريشها الذي خلق ليجتمع ويكون جناحاً فما كان.. عصافير خلقت لتغني على الينابيع الزرقاء.. وفي الآفاق الزرقاء بانطلاق أزرق.. شاء لها القدر أن تضيع.. وتتحرق بلا سماء.. وبدون أرض.. وراء أسلاك الصمت والضياع!

لهذه العصافير أغني.. وأتألم.. وأثور..! ولأجلها أصرخ في وجه الشمس كي تحيك من خيوط أشعتها ريشاً لها لتنطلق غداً من جديد..!

ولغد هذه العصافير أقدّم قصائدي! .

محمود درويش

حيفا 1960

لاحقا أصدر أعمال:

     أوراق الزيتون (1960)، عائق من فلسطين (1966)، آخر الليل (1967)، يوميات جرح فلسطيني (1969)، كتابة على ضوء البندقية (1970)، العصافير تموت في الجليل(1970)، مطر ناعم في خريف بعيد (1971)، أحبك أو لا أحبك (1972)، محاولة رقم 7 (1974)، تلك صوتها وهذا انتحار العاشق(1975)، أحمد الزعتر (1976)، أعراس (1977). جندي يحلم بالزنابق البيضاء (1973)، النشيد الجسدي (بالاشتراك وصدر 1980)، مديح الظل العالي (1983)، حصار لمدائح البحر (1984)، هي أغنية… هي أغنية (1985)،ورد أقل (1985)، لماذا تركت الحصان وحيداً(1995)، حالة حصار (2002)، لا تعتذر عما فعلت (2003)،    كزهر اللوز أو أبعد (2005)، (سيجرى تكملة القائمة بالتواريخ)

لقراءة مختارات من هذه الدواوين برجاء زيارة موقع أدب: الموسوعة العالمية للشعر العربي

 تقول مايا جاجي في مقال شهير عن درويش في صحيفة الجارديان البريطانية 

His collections Leaves of Olive (1964) and Lover From Palestine (1966) made his reputation as a poet of resistance. When he was 22, the poem “Identity Card”, addressed to an Israeli policeman (“Write down,/I am an Arab,/Identity card number fifty thousand”), became a rallying cry of defiance and prompted his house arrest in 1967 when it was made into a protest song.

  منحه  ديواناه ” أوراق الزيتون” ( 1964 ) و” عاشق من فلسطين” (1966 ) شهرته كشاعر مقاومة. وحين كان  في الثانية والعشرين من عمره، أضحت  قصيدة “بطاقة هوية” التي يخاطب فيها شرطيا إسرائيليا  بالقول “سجل،  أنا عربي،  ورقم بطاقتي خمسون ألف” صرخة جماعية للمواجهة، سرعان ما أفضت إلى تحديد إثامته جبريا حين تحولت إلى أنشودة احتجاج.

 وإلى جانب هذه الدوايين نشر عددا من الأبحاث والمقالات إبان عمله في المعمل البحثي المرموق: مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي تتخذ من

عرفات ودرويش وجورج حبش في سوريا (مصدر الصورة: غير معروف)

لبنان مقرا لها.

في هذه المرحلة أنجز دوريش (إضافة إلى منجزه الشعري) مشروع كتابة “إعلان الاستقلال الفلسطيني” الذي تلاه الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في 15 نوفمبر 1988.

في العام 1981، كتب درويش افتتاحية المجلة الرصينة التي رأس تحريرها وهي الكرمل. (اضغط هنا لقراءة هذه الافتتاحية).

الخبر الجيد في ذكرى درويش الثالثة هو  انبعاث الكرمل (على حد تعبير جريدة الأخبار اللبنانية) مرة أخرى بعد توقف دام ثلاث سنوات.

على مدى 28 عاماً، وعلى الرغم من الانقطاعات ورحيله القسري إلى قبرص ثم العودة إلى رام الله، استضافت المجلّة عدداً من أهم مفكري عصرنا وكتابه. من المفكّر الراحل نصر حامد أبو زيد، إلى الراحل إدوارد سعيد، وحسين البرغوثي، وصبحي حديدي. إضافة إلى اعتبارها محترفاً للتجريب الشعريّ في وقت شهد هبّة قصيدة النّثر. هكذا، فتحت «الكرمل» صفحاتها لسليم بركات، ونزيه أبو عفش، ومحمد بنيس، وغسان زقطان، ومحمد الماغوط. وحتى نصوص درويش التي رآها تجريبيّة مثل «ذاكرة للنسيان».

المجلة تعود باسم “الكرمل الجديد”  ويرأس تحريرها حسن خضر. الذي قال

“تعود المجلة للصدور من جديد وتحمل اسم الكرمل الجديد على نفس المبادئ والأفكار التي انطلقت عليها الكرمل قبل ما يقارب من 30 عاما”. وتابع “اخترنا أنْ نخصّص هذا العدد للحديث عن الثورات العربية في مقالات وتحليلات وشهادات حية”.

وفي عددها الجديد تنشر المجلة واحدة من قصائد درويش وهي ” شاهد على زمن الطغاة” التي نشرت قبل 25 عاما في مجلة اليوم السابع الباريسية”.

ويبدأ درويش قصيدته في اشارة مخالفة لما يجري في العادة من اختيار الشعب لرئيسه ليقول “سأختار شعبي.. سأختار افراد شعبي… سأختاركم واحدا واحدا من سلالة امي ومن مذهبي.. سأختاركم كي تكونوا جديرين بي.. سأمنحكم حق ان تخدموني وأن ترفعوا صوري فوق جدرانكم وأن تشكروني لاني رضيت بكم امة لي.”….  “وانتم تزكونني مرة كل عشرين عاما اذا لزم الامر او مرة للابد.. وان لم تريدوا بقائي لا سمح الله ان شئتم ان يزول البلد.. من منكم يستطيع الجلوس ثلاثين عاما على مقعد واحد دون ان يتخشب.. ومن منكم من يستطيع السهر ليمنع شعبا من الذكريات وحب السفر.”

لكن من ناحية أخرى،  صادفت حالة من غضب المثقفين على مسلسل “في حضرة الغياب” الذي يحكى سيرة الشاعر الفلطسيني الراحل.  راسم المدهون يكتب في الحياة:

قيمة محمود درويش الأساسية هي في تجربته الشعرية الساطعة والبهية، وهذه لا أظن أنها ستتأثر بعمل تلفزيوني فشل في مقاربتها أو التعبير عنها، فالفشل كان حليف التجربة التلفزيونية التي تناولت من قبلُ سيرة الراحل نزار قباني والعظيم أبو الطيب المتنبي، وإن كنا نعترف بأن رداءة «في حضرة الغياب» أوضح وأكبر.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s