حول الأصول اليهودية و”النصرانية” لبعض المسلمين

يخوض صديق لي معركة مع طواحين الهواء. فقد رشحت له شقيقته فتاة “مناسبة” لتكون زوجة المستقبل. مناسبة هنا تعني شيئين: أولا هي فتاة تعتمد على نفسها ونجحت في استكمال تعليمها الجامعي بتفوق مكنها من الحصول على وظيفة في أحد البنوك. وثانيا هي فتاة تنتمي إلى أسرة طيبة، متوسطة الحال أي أنها من نفس جلدته فضلا عن كونها مقبولة الشكل.

حتى هنا القصة عادية للغاية. لكن المقلق فيها أنه وحين طرح أمر هذا الارتباط أمام الأسرة، ثار أفرادها ثورة عارمة ذلك لأن نسب الفتاة يشير إلي جدتها المسيحية التي عاشت وماتت على ديانتها.

يكمن رفض الأسرة في أن “العرق دساس”،  لا أكثر ولا أقل.

يشيع هذا التعبير بصورة مريبة للغاية. أنا أفسرها بحالة من الذعر تجاه المختلف. لا نريد مصاهرة من يحمل قدرا ولو بسيط من الاختلاف. والمختلف هنا بطبعه خبيث متلون يحمل الشر معه أينما ذهب. 

التعبير مذكور في حديث منسوب للتبي (ص)، ويورد بأشكال عدة، أكثرها ألفة عند الناس:

تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس

في “معجم مقاييس اللغة” لابن زكريا تعريف للدس، فهو ” يدل على دخول الشيء تحت خفاء وسر . يقال دسست الشيء في التراب أدسه دسا . قال الله تعالى : أيمسكه على هون أم يدسه في التراب . والدساسة : حية صماء تكون تحت التراب.”

الإشارة هنا إلى طبع شرير متأصل يتخفى ولا يرى لكنه موجود. وقد اورد صاحب لسان العرب تعريفا للدسيس فهو “إخفاء المكر” وفي نفس المعجم قال إن “الدساسة” “حية صماء تندس تحت التراب اندساسا”.

وفي تقسير الحديث “لا يؤمن أن يؤثر ذلك الخبث فيه ويدب في عروقه فيحمله على الشر ويدعوه إلى الخبث”.

إلا أن  الحديث ضعيف.

“تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس” أورده ابن الجوزي في العلل المتناهية، وقال: إنه روي عن عمر وابن عمر وأنس وعائشة فأما لفظ حديث عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو “تخيروا لنطفكم وانتخبوا المناكح وعليكم بذوات الأوراك فإنهن أنجب” وأما حديث ابن عمر ففيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي رجلاً فقال له: “يا فلان أقل من الدين تعش حراً، وأقل من الذنوب يهن عليك الموت، وانظر في أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دساس” وبين الإمام ابن الجوزي بعد أن سرد ألفاظ الحديث وطرقه أن الحديث ضعيف لا يحتج به.

لكن “العرق دساس” لا يقتصر فقط على علاقات المصاهرة. فهناك السياسة أيضا.

يوم الجمعة الماضي (5 أغسطس) أورد موقع قناة العربية خبرا مفاد أن الموقع الإلكتروني للحرس الثوري الإيراني وصف الرئيس محمد أحمدي نجاد بـ “اليهودي”.

تكفير نجاد هذا جاء بعد ذيوع إشاعة أنه من أصول يهودية. والمعني من الإتهام واضح: أصولنا تتحكم فينا ولا نستطيع منها فكاكا.

خبر العربية أفاض في الشرح:

المعارض السياسي مهدي خزعلي، نجل آية الله خزعلي المعروف بدعمه نجاد، يتهم إسفنديار رحيم مشائي رئيس مكتب أحمدي نجاد ونسيبه وبعض السياسيين المعروفين في إيران بالانتماء إلى “الفرقة الآنوسية اليهودية” التي تتخذ من مدينة مشهد الدينية شمال شرق إيران معقلاً لنشاطاتها السرية.

وكان مهدي خزعلي مصرّاً على أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد اكتسب اسم أسرته الحالي – أحمدي نجاد – بعدما غيّر اسم “أسرته اليهودية” في شهادة الجنسية من “سابورجيان” إلى “أحمدي نجاد”، مؤكداً أن هذا التغيير مسجل في الشهادة نفسها.

نجاد لم يكن الأول الذي أنفق خصومه جهودا للبحث عن أصوله “اليهودية”. هناك جمال عبد الناصر أيضا.

خذ هذا الاقتباس:

ذكر بعض الكتاب وجود دلائل حول مدى نسبة عبد الناصر لليهود ؛ إذ لما بلغ من العمر ثماني سنوات أرسله والده إلى القاهرة لاستكمال دراسته ، فكان يقطن مع إحدى قريبات والدته في حي اليهود في منطقة الموسكي ( 5 شارع خميس العدسي ) . انظر : لعبة الأمم وعبدالناصر لمحمد الطويل ( ص 48) .

الأستاذ القدير عبد العال الباقوري  كتب مقالا عنونه “من دفتر الافتراء باسم التاريخ” فند فيه الأصوات التي تزعم بوجود أصول يهودية لعبد الناصر، وخلص في حديثه إلى القول:

و مع ذلك، فإن بدعة الأم اليهودية أمر لا يليق الخوض فيه إلا بسند و دليل أو بينة، لأن البينة على من ادعى. فما بالنا والأسانيد والأدلة المعروفة والموثقة تؤكد بطلان هذا الافتراء وتثبت من هي أم جمال عبد الناصر، و أين ولدت، ومتى توفيت، وهذه أوراق أخرى لم يمسّها الكاتب الإسلامي و لم يقترب منها لأنها تنسف كل ما ادعاه و ذهب إليه ظنا منه بأسلوبه هذا ينسف عبد الناصر: الإنسان والفكرة والزعيم من الجذور!!

الأستاذ الباقوري ينفي هنا تهمية “الأم اليهودية” عن عبد الناصر. لكن ماذا لو في صلب المرء أما (أو أبا) يهودية أو مسيحية؟

أليست اليهودية ديانة سماوية؟ ألم يتزوج النبي (ص) من مسيحية؟ ألا يذهب الدعاة إلى دول في الشرق والغرب لدعوة أهلها إلى الإسلام، أيقولون للناس هناك أن أصولكم ليست نقية؟ ألا يحدث أن يتحول يهودي أو مسيحي إلى الإسلام؟ أبتحوله هذا يصبح مسلم درجة ثانية؟ 

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

Advertisements

One response to “حول الأصول اليهودية و”النصرانية” لبعض المسلمين

  1. Pingback: حول الأصول اليهودية والنصرانية لبعض المسلمين | مؤسسة المرأة الجديدة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s