الذاكرة وإنكار التاريخ

في الأسبوع الماضي أخبرتني زميلة تشيكية أن مشروع “حجر عثرة” للفنان الألماني جونتر ديمنج قد وصل مدينتها الأثيرة براج.

المشروع-الذي أنفقت دهرا في الاستماع والمناقشة حول مضمونه وفلسفته وتأثيره- يهدف إلى إقامة نصب تذكاري لضحايا المحارق النازية من الأقليات التي لقيت حتفها تحت نظام الرايخ الثالث  (1939-1945).

ستثير هذه السطور بعض الحماسة في الذهن. هناك من سيعيد إلى المسامع الجمل المحفوظة والمكررة عن أن المحارق مجرد دعاية يهودية وصهيوينة وإسرائيلية نجحت في خداع العالم وتضليله.

بعض المتفذلكين سيقولون إن المؤرخين الغربيين المنصفين نفوا وجود المحرقة. سيدعو أولئك المتفذلكين إلى قراءة ما كتبة روجيه جارودي حول المحرقة. ترد ماذا كتب جاوردي؟ لن تجد إجابة. وإذا حاججتهم بمعلومة أن مسلمين راحوا ضحية هذه المحارق فالرد حاضر أيضا من أن ضحايا المحرقة لم يكونوا من اليهود. 

الخلاصة إذن أن المحارق كذبة كبرى، لكن وفي نفس الوقت أزهقت أرواح مسلمين في هذه المحارق.

الصورة الأشهر لمدخل معسكر الاعتقال أوشفيتز

بالنسبة لي فالمحارق النازية حقيقة. وحرق اليهود فيها حقيقة. وإذا حاولت وصف المحرقة فسأقول إنها اللحظة التي تكشف فيها عن أسوأ ما في الإنسان.

أن يقتل المرء فهذا أمر روتيني يحدث يوميا. أن يقتل المئات أو الآلاف أو الملايين فيما يسمي بالإبادة الجماعية فهذا وارد لكنه  حدث نادر.  لكن أن يقرر المرء أن يحرق البشر وهم  أحياء فهذا هو الشر المطلق.

جريمة إبادة اليهود زمن الرايخ الثالث حقيقة. لكنها حقيقة بدت وكانها تجب غيرها من الحقائق. فهناك ضحايا للمحرقة من غير اليهود. هؤلاء الضحايا لم يجدوا العزاء في كتب التاريخ الرسمية.

هنا يأتي مشروع ديمنج الذي اطلق عليه اسم “ Stolperstein” وهي كلمة ألمانية عرفت من أحد القواميس أنها تعني “stumbling block” أى حجر عثرة.

والكلمة في سياق محدد تعبير في التوراة، في سفر اللاويين (العهد القديم) حيث جاءت في الوصية 14:

لاَ تَشْتِمِ الأَصَمَّ، وَقُدَّامَ الأَعْمَى لاَ تَجْعَلْ مَعْثَرَةً، بَلِ اخْشَ إِلهَكَ. أَنَا الرَّبُّ

لكن ما علاقة الحجر الملقى في طريق الأعمى بالمشروع؟

يفترض ديمنج أن الناس مصابة بالعمي عن حقيقة أولئك الذين حرقوا أحياء على يد النازي. والطريق الوحيدة لتنشيط الذاكرة هي وضع حجر أمامنا-نحن العميان-لتسترجع ذلك الماضي.

ديمنج يفترض أيضا أن الاهتمام المنصب على بناء النصب التذكارية لضحايا المحرقة من اليهود لا يضاهيه اهتمام ليشمل باقى الضحايا: السود وذوو الاحتياجات الخاصة ومثليو الجنس والغجر والشيوعيون والمعارضون السياسيون وشهود يهوه، الذين واجهوا نفس مصير اليهود فى أفران الغاز التى صممها هتلر.

لذلك جاء مشروع ديمنج كفكرة تحاول إقامة نصب تذكارية لحوالى 12 ألف شخص ينتمون لأاقليات أخرى غير اليهودية ممن لقوا حتفهم فى المحارق النازية.

النصب تكون على هيئة لوحة على الأرض أو على الحوائط متكوب عليها “هنا كان يقطن” مع وضع الاسم و تاريخ الميلاد و الوفاة.

بهذه الطريقة سنتوقف قليلا عن التفكير في المحرقة- مثلما نفكر في أى محرقة أخرى- على أنها مجرد أرقام. الضحايا هم بشر باسماء ووجوه وحكايات. اختزالهم في لغة الأرقام عبث وسيلة للتنصل من المسئولية عن تنشيط الذاكرة بظروف مغادرتهم هذا العالم. 

يلعب المشروع على الذاكرة الجمعية التي لا تنكر ولا تتنكر للجريمة. وهذا النوع من الذاكرة نادر للغاية. لم نصادف في السنوات الحديثة ذاكرة تعترف بالخطأ اللهم إلا في استراليا عام 2008 حين طلب رئيس الوزراء الأسترالى-آنذاك-كيفين رود الصفح عن المظالم التي وقعت على السكان الأصليين في بلاده.

كان طلب الصفح قضية جدلية للغاية في أستراليا، تابعها العالم أجمع. وحين سنحت لي الفرصة وقابلت رودالذي شغل منصب وزير الخارجية في الحكومة الأسترالية الجديدة- سألته عن معنى الاعتذار، وكان رد طويلا نسبيا. قال لي إنه  لا يمكن أن تنظر للمستقبل وأن تنكر الماضي. ووصف اللحظة التي وقف فيها أمام البرلمان ليتلو خطاب الاعتذار. كانت واحدة من  أسعد لحظات حياته- على حد وصفه. لحظة وقف ليطالب فيها بفتح صفحة جديدة وتصحيح للأخطاء التي حدثت قديما.

Aboriginal in Police custody, 1906

الاعتذار الاسترالي نمط من ذاكرة تنظر إلى الماضي كما كان، لا تنكره ولا تتنكر له. هناك ذاكرة تعترف بالمظالم، لكنها تحمل المسئولية لطرف آخر. مثلما فعل توني بلير حين اعتذر عن الدور البريطاني في المجاعة الكبري (مجاعة البطاطس) التي ضربت أيرلندا في القرن الـ 19 عشر وحصدت قرابة مليون روح. بلير حمل “حكام لندن” في هذا الوقت المسئولية عن المجاعة. لم يمض في الاعتذار بعيدا. لا تسوية ولا تعويضات. النصيحة التي لم يقلها: لتنسوا التاريخ. 

هناك ذاكرة أخرى، توظف الاعتراف بالجريمة سياسيا. تراه فقط مجرد طعنة في قلب النظام القديم. لكنها تفشل في منع هذه الجرائم من أن تحدث مجددا. مثال ذلك الدستور العراقي الذي عدد في ديباجته “فجائع شهداءِ العراق شيعة وسنة، عربا وكردا وتركمانا، ومعهم بقية إخوانهم من المكونات جميعها”. لكن رغم هذا الاقرار فإن الواقع يقول إن الفجائع مستمرة بحق أقليات هنا وهناك.

هذه أنواع من الذاكرة التي تعترف بطريقة أو بأخرى، تقابلها ذاكرة تحيا على سياسات الإنكار. ينكر الأتراك مسئولية الدولة العثمانية عن حملة إبادة الأرمن في الفترة التي بدأت منذ عام 1915.

تنكر إسرائيل أيضا المذابج وعمليات التهجير القسري التي جرت للسكان الفلسطينين في حرب عام 1984. تنكر أيضا جملة المذابح التي وقعت لاحقا في دير ياسين وغيرها.

+++

رحب  كثيرون بمشروع ديمنج ، ووصلت حماسة الناس إلى أقصاها منذ ثلاثة أعوام حين جرى تدشين النصب التذكاري محجوب آدم محمد، أول أفريقي من ضحايا النازية الذي يقام له نصبا تذكاريا كهذا.

وضعت لوحة برونزية تحمل اسم محجوب،الذى كان يحمل الجنسية التنزانية،فضلا عن تاريخ وفاته أمام المنزل الذى كان يقيم فيه.

محجوب من مواليد تنزانيا. وحين بلغ العاشرة من عمره عمل مع قوات الجيش الألمانى المرابطة فى شرق أفريقيا.

فى عام 1929 هاجر إلى برلين،ليطالب وزارة الخارجية الألمانية بدفع مقابل للخدمات التى قدمها أثناء تواجد القوات الألمانية فى الشرق الأفريقى. لكن السلطات هناك لم تعر طلبه أى  اهتمام.

قرر بعدها محجوب المكوث فى برلين. عمل لفترة في بعض الفنادق الصغيرة. وسنحت له الفرصة كي يمثل بعض الأدوار الثانوية في أفلام سينمائية بلغت 20 فيلما فى الفترة ما بين 1934 حتى 1941، كما عمل فترة مدرسا للغة السواحيلية. 

بوستر للدعاية النازية: صداقة امرأة آرية بأمرأة سوداء نتجيتها: فقدان الكبرياء العرقي. مصدر الصورة: متحف ذكرى الهولوكوست

في هذه الفترة، نشطت ماكينة الدعاية الألمانية ليس فقط للحط من شأن اليهود ولكن أيضا للتقليل من شأن جميع الأجناس الأخرى غير الآري.

وتصدى النظام النازي بكل قوة لـ “جريمة تزاوج الأجناس” التي كانت حاضرة على نطاق ضيق للغاية في ألمانيا.

معظم هذه الزيجات جاءت من قبل بعض الأفاارقة الذين جرى تجنيدهم في الجيش الألماني الذي كانت له بعض القواعد في شرق أفريقيا. بعض هؤلاء الأفارقة شدوا الرحال إلى ألمانيا واستقروا وتزوجوا ألمانيا وأنجبوا أطفالا.

وفى كتابه “كفاحى” وصف هتلر هؤلاء الأفارقة على أنهم الأوغاد، وبعد 4 سنوات على وصوله سدة الحكم (1937)، أصدر أمرا بتعقيم كل طفل من أب وأم مختلفين عرقيا، وهى عمليات أجري معظمهما دون تخدير.

محجوب كان من هؤلاء الأفارقة. تزوج من سيدة ألمانية وأنجب منها ثلاثة أطفال.

وبعد عامين من نشوب الحرب الحرب العالمية الثانية، جرى اعتقال محجوب ووجهت له تهمة “تمازج الأجناس” (أو الزواج من عرق مختلف). بعدها أقتيد إلي أحد المعسكرات النازية وقتل هناك فى 24 نوفمبر من عام 1944.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s