اليدا جيفارا تتحدث عنه زوجها

This slideshow requires JavaScript.

من بين كل أنواع الكتابة، يبقى لفن كتابة السير الذاتية وقع خاص على النفس. ففي السير الذاتية، أو المذكرات، أو التراجم تتلاشي تلك الحدود المتوهمة التي تفصل ما بين الخاص والعام. نرى الشخصية وهي تحاول إعلان أن كل ما هو شخصي هو سياسي بالضرورة. وخلال السطور المكتوبة نرى الأحداث الإنسانية الكبري (حروب ومجاعات وكوراث) وهي بمثابة سرديات خاصة Personal narratives  كثيرا ما تبعث فينا القدرة والإلهام لفهم حقيقة المرء واختياراته. وقتها لا ننصب نفسنا قاضيا يحكم بالاغتيال المعنوي للمرء كمجرد اختلافنا معه.

لم أكن أصدق أنني سأتفهم مرة شخصية مثل فؤاد سراج الدين  لكن مذكرات سامية سراج الدين “بيت العائلة” (The Cairo House) رصدت صورة من إخفاقات الرجل وعجزه عن الاحتفاظ ببيت العائلة. على طول سطور المذكرات تحكى سامية بإتقان عن صراع العائلة التكيف مع عصور لم تألفها من قبل.

في سطور سمير أمين المعنونة “ مذكراتي: ماض لحراسة المستقبل” وقبلها “سيرة ذاتية فكرية”، نرى الرجل وهو يعلن إخلاصه لماركسية رحبة، تتجاوز التفسيرات المغلقة التي صدرها لنا الإتحاد السوفيتي. وعبر تجربة مديدة في بلاد عدة تأثرنا السطور التي يعلن فيها أن الحرب على الرأسمالية مستمرة:

كنت دائما- ولا أزال- عالمىّ التوجه” أى أمميا مقتنعا بأن الرأسمالية قد خلقت واقعاً موضوعياً، يستوجب تقديم إجابات متسقة ومترابطة عالميا. ففى مواجهة “أممية الرأسمال” لا يمكن أن تجيب الشعوب بفعالية إلا إذا بنت أمميتها، التى تحمل فى طياتها تجاوزا كونيا للآفاق الثقافية الوطنية وغيرها (الدينية مثلا) على أنى ألقى على هذا الخيار الكونى نظرة تنطلق من جهة العالم الرأسمالى الطرفى، وتحديدا العالم الأفرو آسيوى ذى الثقافة “غير الأوربية”. وذلك ليس بسبب انتمائى إلى هذا العالم وحسب، وإنما بسبب أن هذا العالم هو- موضوعيا- الضحية الأساسية للرأسمالية القائمة بالفعل

نفس المنطق يحكم ما كتبته سينثيا نيلسون عن الرائدة النسوية درية شفيق أو خارج المكان لإدوارد سعيد، وغيرهما.

لكن يقف المرء حائرا عن الثائر الأسطوري أرنستو تشي جيفارا (ولد فى 14 يونيو 1928). ستصاب بالذهول بالتأكيد إذا كتبت كلمة “سير جيفارا” في محرك بحث المكتبة البريطانية؟ آلاف الكتب والمقالات الأكاديمية وغير الأكاديمية التي تتناول أوجه حياته من زوايا مختلفة. البعض مكتوب بلغة آسرة لكنها بسيطة مثل كتاب أندرو سينكلير والبعض مكتوب بلغة معقدة مثل ” أرنستو تشي جيفارا: الأخلاق وجماليات الوجود”

هذا التضخم في الكتابة عن جيفارا سببه أنه رجل استئنائي. فجيفارا وفقا لجان بول سارتر “ليس فقط مثقفا ولكنه الإنسان الأكمل في عالمنا”.

“not only an intellectual but also the most complete human being of our age.”

لذلك فإن الأمر يتطلب “ألف سنة ومليون صفحة لكتابة سيرة تشي”، كما قال جابرييل جارسيا ماركيز.

“it would take a thousand years and a million pages to write Che’s biography.”

أنا الآن في انتظار ترجمة آخر ما كتب عن جيفارا وهو مذكرات أرملته اليدا مارش (ولدت عام 1937).

صدرت المذكرات حاملة عنوان “استعادة الذكريات: حياتي مع تشي”

Evocacion: Mi Vida al Lado del Che (Spanish) and in English Evocation: My life with Che

من خلال عروض الصحف الإنجليزية عن الكتاب استطعت تجميع بعض خيوط هذه المذكرات التي ترسم فيها اليدا صورة للعلاقة التى جمعتها بجيفارا، راصدة قصة حبهما التى بدأت منذ أن تعارفا فى منتصف خمسينيات القرن الماضى. هذا فضلا عن علاقة جيفارا بأطفاله.

فى مقدمة هذه المذكرات، التي تتناول تفاصيل حياة اليدا مع جيفارا خلال ست سنوات فى كوبا منذ قيام الثورة الكوبية فى عام 1959 حتى عام 1965، تشير اليدا إلى أنها لم تعط الصحفيين فى الماضى أى مذكرات، ولن تعطى فى المستقبل، وكل ما لديها “مكتوب هنا في هذا الكتاب”.

تزوجت اليدا من جيفارا في يونيو عام  1959 فى آتون انتصار الثورة الكوبية وعاشت معه حتى 1965 قبل ان يتوجه الثائر الكبير الى الكونغو لمساندة حرب التحرير التى كان يشنها باتريك لومومبا بوصفها وسيلة لدفع حركة مناهضة الإمبريالية فى القارة الأفريقية. وكان الزوجان قد تعرفا على بعضهما البعض فى عام 1955. وأشتركا معا فى الإعداد للثورة الكوبية. وعن طريق اليدا قرأ جيفارا الكلاسيكيات الماركسية لماركس وإنجلز فضلا عن بعض أعمال لينين وماو.

وتعتبر هذه الزيجة هى الثانية فى حياة جيفارا، حيث تزوج لاول مرة من هيلدا جايدا فى عام 1955 وحدث الطلاق بينهما فى مايو من عام 1959. وأسفر هذا الزواج عن ابنه واحدة هى هيلدا جيفارا (ولدت في 1956و ماتت في 1995). أما اليدا مارش فقد أنجبت من جيفارا أربعة اطفال هم وكامليو وسيليا وإرنستو وأختهم الكبرى التي تحمل نفس الاسم: اليدا (التي زارت مصر منذ ثلاث سنوات).

أحد المقالات التي كتبت عن مذكرات اليدا زعمت أنها لم تهتم بإبراز صورة جيفارا السياسي وفضلت الحديث عن الرجل فى حياته كزوج وأب. لكن عروض أخرى للمذكرات رصدت الاتصال ما بين حياة جيفارا العادية وحياته النضالية.

فمثلا أوردت اليدا مطلب جيفارا بأن يكون عرسهما صغيرا ومحدودا. إلا أن راؤول كاسترو (شقيق فيدل كاسترو) اكتشف أمر زواجهما فنظم حفلة كبيرة للغاية، تجاهل أن يدعو فيها أخيه فيدل. وتسرد اليدا أن فيدل سمع بطريقة ما عن حفلة الزواج وحضر إليها بالفعل شاكيا من أن أحدا لم يدعه، الأمر الذى جعله ينصرف على الفور.

قصة أخرى توردها اليدا وهى عبارة عن هدية زواجها التى لم تكن سوى زجاجة عطر، أما باقى الهدايا التى قدمت إليهما فى حفلة زواجهما فقد قام جيفارا بإهدائها إلى بعض الفقراء الكوبيين.

وظل تقديم الهدايا إلى الفقراء هو طبيعة علاقتهما معا، فسبق فى اوائل الستينيات أن قدم إليها أحد الأشخاص هدية عبارة عن تلفزيون ملون، فما كان من زوجها إلا أن قدمها هدية هو الآخر لعامل فى مصنع. ملمح آخر تكشف عنه اليدا فى حياة جيفارا وهو حسه للدعابة، وتحكى أنه أرسل إليها مرة وهو فى زيارة إلى المغرب بوسترا مكتوب عليه “لقد وددت لو كنت مخلصا لكن عليك أن ترى بنفسك هؤلاء المغربيات”.

أبلغ الروايات أثرا فى مذكرات اليدا الحادثة التى روتها قبيل مغادرة جيفارا إلى بوليفيا لدعم الثورة هناك(قتل فيها فى 9 اكتوبر من عام 1967) ، حيث ارتدى ملابس رجل من بيرو يبلغ من العمر 60 عاما لكى يرى أطفاله قبل أن يغادر. وقدمته زوجته إلى الأطفال بوصفه صديقا لأبيهم واندمجوا معه فى اللعب ولم يتعرفوا عليه. ووسط ضجتهم معه جرحت ابنته الكبرى (اليدا 7 سنوات فى ذلك الوقت) مما جعله يعتنى بها بقلق وخوف. وعقب مغادرته أبلغت اليدا أمها أن هذا الرجل (الذى لم يكن سوى أبيها) واقع فى حبها.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s