يجمعهما التاريخ والجغرافيا: فلسطين على خطى كوسوفا؟

The "NEWBORN" monument in Pristina unveiled at the celebration of the 2008 Kosovo declaration of independence. From Wikipedia

الدول الكبرى في النظام الإقليمي العربي مشغولة الآن، إما بإعادة ترتيب البيت بعد تغيير النظام السياسي فيها (مصر)، أو التصدي لمحاولات تغيير النظام (سوريا، ليبيا، اليمن)، أو من ناحية أخرى مراقبة هذه التحولات والعمل على الحد من آثارها الإقليمية (السعودية). دول الجوار  (إيران وتركيا وإسرائيل) مشغولة أيضا بما ستسفر عنه هذه التحولات من إعادة ترتيب أوراق النظام الإقليمي ككل.

لا يختلف الحال عن القوي الغربية (الولايات المتحدة والإتحاد الأوربي). جميعهم يراقبون الوضع عن كثب (ولم لا وقواتهم تخوض حربا صغيرة ضد الطاغية الليبي).

أدم شاتز- محرر مجلة لندن ريفيو أوف بوكس- كتب أن “النظام العربي القديم قد دفن في ميدان التحرير”، ذلك لأن الثوار الشباب ناهضوا  نظام وقف بالمرصاد طيلة ثلاثة عقود ضد طموحات الفلسطينيين.

بهذا التفسير،  يقدم الربيع العربي عامة فرصة ذهبية للفلسطينيين لتحقيق واحد من أحلامهم: دولتهم المستقلة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) بدأ جولة أوربية لحشد الدعم وراء فكرة التوجه إلى الأمم المتحدة لإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة.

دول الإتحاد الأوربي ليست متفقة على رأى واحد بخصوص الدولة الفلسطينية:

الخلاف الأوروبي حول مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية في أيلول المقبل يقسّم دول الإتحاد الأوروبي إلى ثلاث فئات. فئة أولى على رأسها إسبانيا وبلجيكا مع الاعتراف. فئة ثانية بقيادة فرنسا وبريطانيا ليست بعيدة عن قبول الاعتراف. وأما الفئة الثالثة المعارضة فنجد في طليعة دولها ألمانيا وهولندا.

لماذا تنقسم أوربا هذا الانقسام وهي التي اتحدت في دعم دولة جنوب السودان الجديدة؟ وقبلها لم تثر لغطا كثيرا عن دولة كوسوفا؟

تختلف فلسطين عن جنوب السودان، لكنها تتفق كثيرا مع حالة كوسوفا الملهمة.

في 17 فبراير من عام 2008، تلا برلمان كوسوفا إعلان الاستقلال الذي دعمه رأى قانوني من محكمة العدل الدولية مفاده أن إعلان الاستقلال هذا “لم ينتهك القانون الدولي العام“.

مثل هذا الإعلان -ولا يزال- فرصة أمام شعوب أخرى لم تمل من الحلم بنيل الاستقلال على غرار الشعب الفلسطينى. 

وقتها حذر أفيجدور ليبرمان (رئيس حزب “إسرائيل بيتنا”) من أن إعلان إقليم كوسوفا الاستقلال عن صربيا من جانب واحد قد يشجع الفلسطينيين (سواء في قطاع غزة والضفة الغربية أو داخل إسرائيل) على إعلان دولتهم من جانب واحد أيضا.

أوجه شبه فلسطين بكوسوفا عديدة (قد يكون من بينها من حيث الشكل اعتناق أغلبية الفلسطينيين و الكوسوفويين الإسلام).

لكن من نواحى أهم تتشابه الحالتان في أنهما عاشا لمدة عقود يجمعهم حلم تأسيس دولة مستقلة.

كلاهما رزحا تحت قبضة المذابح العرقية، فراح مثلا حوالى 10 آلاف ألبانى ضحية حرب الكراهية التى شنها الرئيس الصربى الراحل سلوبودان ميلوسوفيتش فى عامى  1998 و1999. بينما قتلت إسرائيل 1162 فلسطينى فى الإنتفاضة الأولى (1987-1993) ونحو 5500  فلسطينى فى الإنتفاضة الثانية.

وفى الخبرة التاريخية، وقع الفلسطينيون والكوسوفويون تحت سيطرة الدولة العثمانية قبل أن دخل فى مرحلة اضمحللها الأخير زمن فترة الحرب العالمية الأولى، حيث اقتنصت صربيا كوسوفا بعد حرب البلقان فى عام 1913، واقتنصت بريطانيا فلسطين فى عام 1922.

المساحة الصغيرة وعدد السكان وجه شبه آخر. فمثلا يعيش فى كوسوفا 2,1 مليون نسمة ينتمى معظمهم من الناحية العرقية إلى الألبان بنسبة 93% و يمثل الصرب نسبة 5%، بينما تمثل أقليات أخرى نسبة 2.7% من السكان. يعيشون على 11 ألف كم (أى 15%من جمهورية صربيا).

وفى فلسطين يبلغ عدد سكان الدولة المنتظرة 3,800 مليون نسمة، يتوزعون على كيانيين منفصلين جغرافيا هما قطاع غزة (تبلغ مساحته 360 كم) ويعيش عليه 1,48 مليون نسمة. وهناك الضفة الغربية التى يعيش فيها 2,5 مليون نسمة من بينهم 275 ألف مستوطن(أى بنسبة 17%).

فى كلا من الإقليمين، يعيش الشعبان على المعونات الخارجية، حيث لا يوجد اقتصاد قوى يغذى الدولة الوليدة.

كوسوفا لا تطل على بحار وتفتقر الى الموارد المعدنية. وساهمت التوترات العرقية التى تصاعدت في الثمانينيات اذ بدأت يوغوسلافيا في التفتت فى تدهور الاوضاع الاقتصادية. استغل سلوبودان ميلوسيفيتش القومية الصربية للصعود إلى السلطة في عام 1989 وفرض قيودا على حقوق الالبان في التعليم والادارة المحلية. وقتها زادت نسبة البطالة عن 50%.

وفى فلسطين، كما فى كوسوفا، استخدمت إسرائيل الإقتصاد كآداة للحرب على الفلسطيين. فنتيجة لممارسات إغلاق المناطق الفلسطينية وحصارها فضلا عن أعمال القتل والتدمير والقصف العشوائي للأحياء، لم يعد فى فلسطين اقتصاد يمكن أن يغذى الدولة الجديدة، ووصلت نسبة الفقر إلى أكثر من 70%. ومعدلات البطالة إلى نحو 50% أو أكثر. هذا فضلا عن تشويه بنية الاقتصاد فى قطاعات الصناعة والبناء والزراعة.

أوجه الشبه هذه لا تلغى أوجه الإختلاف، فعلى حين كان رئيس وزراء كوسوفو هاشم تاجي واضحا فى إعلانه أن “كوسوفا وطن لجميع مواطنيها”، فى إشارة إلى الأقلية الصربية، إلا أن الفلسطيين لا يمكن أن  يعلنوا عن تسامحهم مع آلاف المستوطنين فى الضفة الغربية و الذين يمثلون بدورهم عائق أمام تحقيق الدولة الفلسطينية.

وجه خلاف آخر يتمثل فى المواجهة المسلحة، فعلى حين أعلن جيش تحرير كوسوفا ورموزه تخليهم عن العمل المسلح تماما-وهو ما فعلته السلطة الفلسطيينة عشية إتفاق أوسلو- إلا أن الواقع على الأرض يقول بعكس ذلك. فلا يزال قرار الحركات الفلسطينية (عدا فتح) هو عدم التخلى عن المقاومة المسلحة.

وجه آخر للاختلاف يكمن فى درجة التقارب الشديد فيما بين الولايات المتحدة وكوسوفا، والذى مهد لإعلان الإستقلال، فى نفس الوقت الذى تنحاز فيه واشنطن بصورة كلية إلى إسرائيل. 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s