خطاب عصام شرف والثورة الثانية

Sharaf (AFP/File)

بعد دقائق قليلة من إذاعة بيان النقاط الست لرئيس الوزراء عصام شرف، اعتلى ناجي كامل-من شباب حركة العدالة والحرية-منصة الإذاعة المواجهة لمجمع التحرير وتحدث قائلا إن خطاب شرف لا يختلف عن خطابات مبارك أيام الثورة.

كان ناجي يتحدث فيما يهتف المئات تعليقا على خطاب شرف بـ: “ارحل.. أرحل” ، “الشرعية من التحرير”، “الشعب يريد إسقاط النائب العام”، “الداخلية بلطجية”.

العديد من النشطاء والسياسيين والإعلاميين اتفقوا على هذا التشابه.

الناشطة النقابية  منى مينا تقول في الشروق “خطاب شرف أشبه بخطابات الرئيس المخلوع”، وفي حلقته ببرنامج التحرير قال الإعلامي محمد سعد “خطاب ‘شرف’ يذكرني بـ ‘مبارك”. وفي بيان للمرشح الرئاسي عبد المنعم أبو الفتوح ذكر أن “خطاب شرف متأخر ولم يحقق طموح المصريين”.

النتيجة إذن أن حديث شرف أدى – على غرار خطابات مبارك- إلي إصابة قطاعات واسعة من المصريين بالإحباط. وكما ساهمت خطابات مبارك في توسيع دائرة المصريين المطالبين بإسقاطه، فإن خطاب شرف الحالي ساهم أيضا في أن تكتسب حالة الاعتصام زخما جديدا وراء مطالب: الحد من سلطات المجلس العسكري، الضغط على هذا المجلس للتراجع عن بعض قراراته (محاكمة المدنيين عسكريا). وأخيرا يساهم الخطاب في بلورة أفق جديد يستطيع المصريون من خلاله المشاركة بشكل أكبر في إدارة الشئون العامة لوطنهم.  

بكلمات مختصرة يساهم خطاب شرف الآن في دفع المصريين إلى صنع الثورة الثانية، يمكنك أن تسمها أيضا الموجة الثانية للثورة المصرية، ويمكنك أيضا أن تكتفي بالقول إن الثورة المصرية دائمة (أو أي تعبير تبتدعه لتصف به استمرارية الثورة).

+++

من وجهة نظري يعاني الخطاب من ثلاث نقائص، ألخصها في التالي:

أولا:

تحمل خمس نقاط من النقاط الست التي طرحها شرف مجموعة من الإجراءات هي كالتالي: التعديل الوزاري، حركة تغيير المحافظين، تطهير جهاز الداخلية، علانية المحاكمات، إصلاح هياكل المؤسسات الصحفية والإعلامية.

تثير هذه النقاط تحفظين، 1) أنها لم تتحدث أبدا عن نطاق هذه التغييرات. بمعني هل سيرضى المعتصمون بتغيير في الحكومة يخرج بموجبه عدد محدود من الوزراء؟ وهل سيرضيهم بقاء أسماء معينة مثل وزير الخارجية محمد العرابي أو المعين حديثا وزير الإعلام أسامة هيكل؟

2) خلطت هذه النقاط ما بين تغيير فوري وما بين عملية الإصلاح طويلة الأمد. لن يجرى إصلاح جهاز الشرطة بين يوم وليلة، هذا مفهوم. بمعني نحتاج لبعض الوقت حتى نرى المواطن محتفظا بكرامته واعتباره حين يدخل قسم الشرطة. لكننا لا نحتاج وقتا  لصدور قرار يجرى فيه إقصاء قطاعات كاملة من الضباط ممن-ليس فقط على لائحة الاتهام بقتل المتظاهرين- وإنما أيضا أولئك الذين تورطوا في قضايا تعذيب أو أولئك الذين انتهكوا الحقوق السياسية والمدنية للمواطنين مثل ضباط جهاز مباحث أمن الدولة سابقا.

ثانيا:

لماذا يعطى شرف كل هذا الوقت لتنفيذ هذه التغييرات؟ الحركة الوزارية خلال أسبوع، وحركة المحافظين خلال ثلاثة أسابيع. هل يعني هذا أن على المعتصمين أن يستمروا في اعتصامهم حتى تنفذ هذه القرارات. يعنى هذا الوقت الذي حدده شرف أن المجلس العسكري ومعه الحكومة لم يتوقعا- مثل نظام مبار ك- نطاق هذه الموجة الثورية. ومثل مبارك فإن المشير لا يرد. هناك مئات الآلاف من البشر يفترشون الشوارع، وحكام البلاد لا يعيرون مطالبهم أي انتباه. والنتيجة مزيد من الإحباط من النخبة الحاكمة، لكنه إحباط يزيد المرء إصرارا على المضي قدما في المطالبة بحقوقه.  

ثالثا:

خطاب شرف أقرب إلى المثل الشعبي “ودن من طين وودن من عجين”، ذلك لأن الخطاب تجاهل كلية بعض المطالب المركزية التي رفعتها القوى الثورية (في اعتقادي أن هذه القوى لا تشمل بأي حال قيادات جماعة الإخوان المسلمين أو قيادات الجماعة السلفية).

يوم الأحد الماضي وبعد نقاش منهك اتفقت 15 حركة و10 أحزاب (تختلف في مدي قوتها في الشارع لكنها تمارس تأثيرا كبير على الاعتصام) على سبعة مطالب واضحة ومباشرة.

(ملحوظة: للغرابة جاء خطاب شرف بنقاط لم تشملها هذه المطالب مثل تطهير المؤسسات الإعلامية والصحفية).

بات المطلب المركزي عند معظم القوى التي شاركت في الثورة هو وقف الجريمة التي ترتكب في حق أبناء الوطن والممثلة في المحاكم العسكرية للمدنيين.

أحد المطالب التي صيغت يوم الأحد ينص على:

الإفراج الفوري عن جميع المدنين الذين حوكموا عسكريا وإعادة محاكمتهم أمام القضاء المدني، وحظر إحالة المدنيين للقضاء العسكري نهائيا، وإلغاء قانون تجريم الاعتصامات.

لم تتطرق نقاط شرف إلى مثول المدنيين أمام محاكم العسكر. لا أعرف ولكن وردت في ذهني مقارنة مفادها أن الخطر الذي يمثله وزير من الزمن المباركي لهو أقل ألف مرة من الزج بالمدنيين في محاكم عسكرية. هذه المحاكم  تفتقد لأبسط ضمانات المحاكمة العادلة ليس مقارنة بالقضاء الطبيعي ولكن مقارنة بالقضاء العرفي الفاشل أصلا (على الأقل في القضاء العرفي يمكن للمعتدي أو المتهم أن يتحدث وسيجد من يسمعه).

كذلك صمت شرف عن المطلب العادل المتمثل في إقالة النائب العام.  

تتهم قطاعات سياسية مختلفة عبد المجيد محمود بأنه رجل مبارك. الناس لا تطمئن لهذا الرجل المنوط به المشاركة في تخفيف الألم عن أسر فقدت أبنائها بسبب جنون النظام السابق.

أيضا، كان من المفترض أن يكون هذا الرجل طرفا أصيلا في عملية إعادة توزيع الثروة في البلاد. لكنه على العكس من ذلك، يقف كحجر عثرة أمام فتح مئات من قضايا الفساد المتورط فيها العشرات من رموز النظام السابق.

(أخبرني الأستاذ/ أحمد السنديوني في اتصال تليفوني أن عبد المجيد محمود رد على بلاغ لـ ممدوح حمزة يتهم فيه جودت الملط رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بالتورط في التعمية على قضايا فساد بالقول: أنت عايزنا نبهدل الراجل على آخر الزمن).

للنائب العام دور أيضا في وقف الممارسات المنحطة التي تجري من قبل الضباط المتهمين بقتل المتظاهرين من خلال الضغوط التي يمارسونها على أسر الشهداء من  أجل تغيير أقوالهم. عبد المجيد محمود لم يفتح أي تحقيق في هذه القضايا رغم وجود بلاغات رسمية من بعض أسر شهداء أو مصابي الثورة.

(كل ما فعله النائب العام أن أخرج جهازه على الناس بيانا من صفحات سبع يقول فيه بطريقة غير مباشرة إن بطء محاكمات قتلة الثوار  ليس مسئوليتي).  

نقطة أخرى، من المطالب التي صاغتها الـ  15 حركة و10 أحزاب مطلب إلغاء اعتماد مشروع الموازنة الحالية وطرح مشروع موازنة جديدة لنقاش مجتمعي واسع. هناك أيضا مطالب أخرى عبر عنها نشطاء مثل إلغاء القوانين المناهضة للحريات التي مررها المجلس العسكري مثل قانون تجريم الاحتجاجات الذي أصدره المجلس العسكرية خفية.

+++

بعض استعراض هذه السلبيات يتبدى سؤال الوقت وهو: لماذا حفلت نقاط شرف بهذه النقائص؟

لا توجد لدي إجابة بالطبع. لكن لفت نظري سطر قصير في تقرير وكالة الأنباء الفرنسية عن خطاب شرف. تكتب جيلان زيان مراسلة الوكالة:

A military source told AFP that Sharaf’s speech had been delayed until the military council approved its final wording.

وقال مصدر عسكري للفرنسية إن خطاب شرف تأجل لحين الحصول على موافقة المجلس العسكري على الصياغة الأخيرة.

ما الذي يعنيه هذا؟

التفسير الوحيد هو أن شرف خسر معركة أن يكون طرفا مستقلا في إدارة شئون البلاد. ويعني أيضا أنه رضخ لإرادة جنرالات المجلس العسكري. هناك بعض الأمثلة التي قد توحي (لا أملك دليلا) على وجود صراع ما بين العسكر وبين شرف، مثال موضوع استقالة “الطود الراسخ” يحي الجمل وتمسك المجلس العسكري به.

بكلمات أخرى، جاءت هذه النقائص لأن المجلس العسكري هو صاحب القرار. ولأن شرف أقرب إلى سكرتير لهذا المجلس.

ثلاثاء الإرادة والتصعيد ( تفصيلة من تفاصيل الاعتصام) هو حشد الناس لمناهضة أطروحات التغيير الغامض من قبل الجيش. هو يوم-كما تعلمون- ضد المجلس العسكري نفسه وضد سياسية الانفراد في اتخاذ قرارات مصيرية نيابة عن الشعب دون أن يكون له الحق في اتخاذ هذه القرارات.

سأختم هنا بالقول إن هذا الاعتصام نقطة تحول مركزية في الثورة المصرية. ذلك لأننا بهذا الاعتصام نتجاوز الصراعات ذي الطبيعة الثقافية (مدنية الدولة، الدستور أولا أم الانتخابات أولا)، لصالح خوض صراعات على قضايا ذي  طبيعة اقتصادية واجتماعية مضافا إليها قضايا تدخل في صلب البناء الديمقراطي مثل مناهضة إجراءات المجلس العسكري، والنضال من أجل ألا يفلت الجناة من العقاب.

+++

يتبع

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s