المعركة على الدستور: دروس من العراق.. الهامش الأول

Karim Kadim/AP Photo

كنت قد كتبت سطورا عن وثيقة البرادعي لحقوق الإنسان رأى البعض أنها ذهبت بعيدا وتعسفت في الاستتنتاجات. لكني لا زلت عند قناعتي ان الوثيقة هشة وانها تحاول اختطاف النقاش العام حول الدستور، لكن تلك قضية أخرى.

المهم أن المعركة حول الدستور (سواء كان أولا أو أخيرا) دفعت قطاعات مختلفة من إطلاق مبادرات حول الدستور. البعض يتحدث عن طرح غامض للغاية بخصوص “مبادئ فوق دستورية“. لكن عموما أظن أن هناك “حتمية” للاستفادة من تجارب مقارنة في كتابة الدستور.

مثالي هنا من الدستور العراقي. فقبل ست سنوات، خاض العراق معركة حول صياغة الدستور. وهو بهذا المعني، الدستور الأحدث من ناحية الصياغة  في العالم العربي.  ومن ثم فإن قراءة التجربة العراقية في الصياغة- التي شهدت خلافات حادة حتى في طريقة كتابة الديباجة- يمكن أن توفر لنا بوصلة ما بخصوص الطريقة التي تصاغ بها وثيقتنا الدستورية.

عن الدستور العراقي

يتكون الدستور من 143 مادة بعد مجموعة التعديلات التي جرت في  12 أغسطس من عام 2005 ومن ثم تختلف عن المسودة التي سلمت إلي الأمم المتحدة حيث تكونت الأخيرة من 139 مادة.

تعديلات 12 أغسطس نصت علي تأكيد ضمان وحدة العراق واعتباره بلد متعدد القوميات. كما أكدت على أنه جزء من العالم الإسلامي ونصت أيضا على دوره المؤسس والفاعل في الجامعة العربية.

أقرت التعديلات باستخدام اللغة العربية الى جانب الكردية في إقليم كردستان .وشملت أيضا المواد الخاصة بالجنسية والمواطنة ودعم الدولة للأنشطة الرياضية والثقافية التي من شأنها إبراز التراث الفكري والحضاري للعراق. وعدت الآثار والبنى التراثية جزءًاً من الثروات الوطنية التي ينبغي أن تكون تحت سيطرة السلطات الاتحادية. وفيما يتعلق بمادة إجتثاث البعث فقد تم صياغة فقرة تميز بين البعثيين السابقين والتفريق بين من ارتكب منهم جرائم ومن لم يقم بها بحق الشعب.

من ناحية وصفية تم تقسيم الدستور بطريقة مرنة ومنظمة نسبيا من خلال تقسيم رئيسي إلى أبواب، وقسمت بعض الأبواب الي فصول ،و بعض الفصول تم تقسيمها الي تقسيمات فرعية أخري.

اشتمل  الدستور علي  6 أبواب هي كما يلي :

الباب الأول والذي يحدد المبادي الأساسية التي تقر شكل وهوية  الدولة العراقية وقد أفردت له 13 مادة (من المادة 1 إلي المادة 13)

الباب الثاني والذي يعالج الحقوق و الحريات يحتوي علي 33 مادة (من المواد 14-46) وتم  تقسيمهم علي فصلين يغطيان مجموعتان من الحقوق :

المجموعة الأولي  الخاصة بالحقوق و يشمل المواد الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية و عددها 8 مواد(من المادة 14 حتي المادة 21).

المجموعة الثانية الخاصة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية عددها 15 مادة (من المادة 22 حتي المادة 36.

ثم الفصل الثاني الخاص و الذي عالج بشكل منفصل مسألة “الحريات”و يحتوي علي 10مواد (من المادة 37 حتي المادة 46).

يعالج الباب الثالث ” السلطات الاتحادية ” في العراق و يبدأ من المادة العامة 47 ثم ينقسم بدوره الي

الفصل الأول السلطة التشريعية و تبدأ من المادة 48 ، ويحتوي هذا الفصل علي قسمين  ، القسم الأول الخاص بمجلس النواب و يحتوي علي 15مادة     من المادة 49حتي المادة 63.ثم القسم الثاني الخاص بمجلس الإتحاد ويضم مادة و حيدة هي المادة 64.

أما الفصل الثاني فهو الخاص بالسلطة التنفيذية و تبدأ من مادة عامة (المادة 65) ثم القسم الخاص برئيس الجمهورية و الذي يبدأ من المادة 66حتي 74(أي 9 مواد) ثم القسم الخاص برئيس الوزراء و يبدأ من المادة 75 حتي المادة 85(أي 11 مادة).

ثم يأتي الفصل الثالث الخاص بالسلطة القضائية(تحتوي علي 15مادة ) و تبدأ بثلاث مواد منظمة و عامة هم المواد 86, 87و 88 ثم تقسم بطريقة فرعية لتشمل ثلاث أقسام هم :

أولا:مجلس القضاء الأعلى و يشمل مادتين فقط هما المادة 89 و المادة 90

ثانيا :المحكمة الاتحادية العليا و تشمل ثلاث مواد هم المواد 91 و 92 و 93.

ثالثا:الأحكام العامة : من المادة 94 حتي المادة 100

ثم يأتي الفصل الرابع و الخاص بـ “الهيئات المستقلة” و يشمل 7 مواد من المادة 101حتي المادة 107.

الباب الرابع عالج اختصاصات السلطات الإتحادية في 7 مواد من المادة 108حتي المادة 114.

أما الباب الخامس فقد تناول “سلطات الأقاليم” من خلال أربع فصول :

في الفصل الأول الخاص بالأقاليم و الذي يحتوي علي 6 مواد (من المادة115حتي المادة120)، الفصل الثاني الخاص بـ”المحافظات التي لم تنتظم في إقليم” و يحتوي علي مادتين (121و 122) ثم الفصل الثالث الخاص بالعاصمة و احتوي علي مادة و احدة (المادة 123). ثم أخيرا الفصل الرابع الخاص بـ “الإدارات المحلية” وله مادة و واحدة فقط هي المادة (124).

ثم نأتي أخيرا الي الباب السادس و الأخير الخاص بالأحكام الختامية و الانتقالية ضم فصلين ، الفصل الأول خاص بـ ” الأحكام الختامية” و يبدأ من المادة 125 حتي المادة 130ثم الفصل الثاني الخاص بالأحكام الانتقالية و التي تحتوي علي 13 مادة  تبدأ من المادة 131حتي المادة 143.

 ملاحظات حول الدستور

 سأقوم في هذا الجزء بتقديم مجموعة من الملاحظات حول مواد الدستور ،مركزا بالأساس علي  مضمونها المقارن سواء مع الدساتير العراقية السابقة أو مع دساتير الدول العربية المختلفة.

بدأ الجدل حول الدستور العراقي  من الديباجة ذاتها. فرغم صغر الديباجة الا انها عبرت عن مساحة خلاف كبيرة.

 بسم الله الرحمن الرحيم

“ولقد كرمنا بني آدم”

نحنُ أبناء وادي الرافدين موطن الأنبياء ومثوى الأئمة الأطهار ورواد الحضارة وصناع الكتابة ومهد الترقيم، على أرضنا سنَّ أول قانون وضعه الإنسان، وفي وطننا خُطَّ أعرق عهد عادل لسياسة الأوطان، وفوق ترابنا صلى الصحابة والأولياء، ونظَّر الفلاسفة والعلماء، وأبدع الأدباء والشعراء….  وتلبية لنداء وطننا ومواطنينا، واستجابة لدعوة قياداتنا الدينية والوطنية وإصرار مراجعنا العظام وزعمائنا ومصلحينا وقوانا الوطنية وسياسيينا، ووسطَ مؤازرة عالمية من أصدقائنا ومحبينا، زحفنا لأول مرة في تاريخنا لصناديق الاقتراع بالملايين، رجالا ونساء وشيبا وشبانا في 30 يناير/كانون الثاني سنة 2005، مستذكرين مواجع القمع الطائفي من قبل الطغمة المستبدة، ومستلهمين فجائع شهداءِ العراق شيعة وسنة، عربا وكردا وتركمانا، ومعهم بقية إخوانهم من المكونات جميعها، ومستوحين ظُلامة استباحة المدن المقدسة والجنوب في الانتفاضة الشعبانية، ومكتوين بلظى شجن المقابر الجماعية والأهوار والدجيل وغيرها، مستنطقين عذابات القمع القومي في مجازر حلبجة وبرزان والأنفال والكرد الفيليين، ومستلهمين مآسي التركمان في بشيروكما في بقية مناطق العراق فقد عانى أهالي المنطقة الغربية من تصفية قيادتها ورموزها وشيوخها وتشريد كفاءاتها وتجفيف منابعها الفكرية والثقافية، فسعينا يدا بيد وكتفا بكتف، لنصنع عراقنا الجديد، عراق المستقبل، من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية، ولا عقدة مناطقية، ولا تمييز، ولا إقصاء.

الديباجة عبارة عن نص سردي قصير نسبيا يحمل كثيرا  من  المفردات الإنشائية و التفخيمية .صغر الديباجة و لغتها الإنشائية  ليست تقليدا عراقيا خالصا. فنفس اللغة استخدمت في  دساتير  جمهورية افغانستان الإسلامية (الذي أقر في 2004) او دستور ارمينيا (1995) أو دستور البوسنة و الهرسك (1995) أو دستور كمبوديا (1993). 

تشترك هذه الدول مع العراق في سمتين أساسيتين الأولي و هي حداثة دساتيرها و الثانية انها دول فريسة ماض مؤلم راح ضحيته آلاف من المدنيين.

تنطلق الديباجة في الفقرة الاولي باستخدام  ضمير المتكلم “نحن ” و الذي ما يحيل الي التأكيد علي ان هذا الدستور هو نتاج عمل مجموع العراقيين، وهو اتجاه عام في معظم الدساتير أن تبدأ باقرار أن دستورها نتاج توافق جمعي . لكن الديباجة خالفت ما هو شائع في الدساتير فبدلا من قول “نحن الشعب” مثلا استحضرت احد مفردات الماضي العراقي القديم وهي “أبناء الرافدين” ،منطقها التأكيد علي وحدة التاريخ العراقي. ثم ألحقت تعبيرات أخري لتوصيف ماهية “الرافدين” فهي “موطن الرسل والأنبياء ومثوى الأئمة الأطهار مهد الحضارة وصناع الكتابة ورواد الزراعة ووضاع الترقيم”.

 لكن في الفقرة الثانية من الديباجة ارتسمت أكثر ملامح الطابع الايدولوجي المعبر عن هيمنة نسق التفكير الشيعي. فمثلا ربطت الديباجة الفعل السياسي الخاص بالذهاب الي صناديق الاقتراع في 30 يناير علي أنه “تلبيةً لنداء وطننا ومواطنينا، واستجابةً لدعوةِ قياداتنا الدينية و قوانا الوطنية وإصرار مراجعنا العظام وزعمائنا وسياسيينا”.

الملاحظة الأولي هنا  أن الموقف من انتخابات 30 يناير كان موقفا سياسيا بصورة كبيرة و من ثم لم تفسح الديباجة مكانا للرأي المعارض لإقامة انتخابات 30 يناير 2005  وهو موقف لم ينحصر في  تيارات المعارضة المسلحة في العراق. وثانيا حولت الديباجة فعل “الاقتراع” الي ما يشابه الأوامر الدينية.

يضاف الي هذا التعبير المراوغ “أصدقائنا و محبينا” و هو ما يحيل بشكل غير مباشر الي الاحتلال بوصفه “صديق” أو “محب”. بيد أن الإشكاليات لم تنته عند هذا الحد بل استمرت الديباجة في  استخدام ألفاظ مراوغة مثل توصيف حال الشعب العراقي علي انه “الناهض من كبوته” . فالواضح أن الشعب العراقي قد تخلص من كبوة نظام صدام ولكن لا يزال الاحتلال جاثما فارضا كبوة جديدة لم ينهض العراقيون منها بعد.

 هذا عن الديباجة أما عن مواد الدستور

جاء  الباب الأول  ليحدد بشكل واضح المبادي الأساسية المحددة لشكل و هوية الدولة العراقية.

في المادة الأولي الخاصة باسم و هوية الدولة استقر الأمر علي استخدام اسم “جمهورية العراق” و هو أحد الخيارات الخمسة التي ثار حولها الجدل فيما يتعلق بالاسم الرسمي للدولة.

كانت هناك خمسة خيارات لاسم الدولة هم   “جمهورية العراق الاتحادي” و”جمهورية العراق” و  “الجمهورية العراقية” و “الجمهورية العراقية الاتحادية” ثم الخيار الخاص بـ “الجمهورية العراقية الاتحادية الإسلامية” . لكن تم الاتفاق علي “جمهورية العراق” كاسم للدولة علي أن تحدد هوية الدولة في مادة أخري.

وترتبط هذه المادة بشكل و ثيق مع المادة (3) الخاصة بهوية العراق. هذه المادة كانت مسرح لسجال سياسي مزمن.  خرج من النطاق العراقي ليتخذ بعدا إقليميا خاصة بعد تدخل الجامعة العربية . رأت الجامعة العربية علي لسان امينها العام أن هناك مخاطر كبيرة علي عروبة العراق و ذلك لعدم وجود نص دستوري محدد لهوية العراق العربية. خذ مثلا  تصريحات عمرو موسي لهيئة  الإذاعة البريطانية التي قال فيها إن ” العراق دولة عربية وعضو مؤسس في الجامعة العربية ولا يمكن التخلي عن هويته العربية”. و هو ما اعتبره البعض تدخلا سافرا في شأن عراقي خاص بالعراقيين. العراقيون  “من دون أي استثناء ، وليس غيرهم من يقرر هوية بلادهم ومن يصوغ دستور هذه البلاد”.

ثم تأتي المادة (4)- التي تعد استثناءا عربيا- لتقر  بشكل كامل حقوق الأقليات اللغوية ومن ثم تؤكد علي ثنائية اللغة في الدولة العراقية. ومن ناحية أخري تقر أن التركمانية والسريانية لغات  رسمية  في الأماكن التي تشكلان فيها كثافة سكانية. وتفتح المادة الباب لأية لغة محلية أخري أن تكون بمثابة لغة رسمية في حالة ما اذا اقر المتحدثين بها عن طريق استفتاء عام.

بهذا ينفرد الدستور العراقي  من دون دساتير الدول العربية كلها تقريبا بالنص علي منطق الاستيعاب اللغوي. فالواقع أن هناك نزعة عربية سائدة فيما يتعلق بعد ذكر حقوق الأقليات في الدساتير  (خصوصا اللغوية منها) رغم أن هناك أقليات عرقية و دينية و لغوية في معظم الدول العربية.إلا أن الأقليات لا يرد ذكرها فيما يتعلق بالحقوق الخاصة بهم (اللهم إلا في حالتي الدستور اليمني و السوداني). 

وفي المقابل جاء البند ثالثا من المادة (4) ليقرر استعمال اللغتين في المؤسسات الاتحادية والرسمية في إقليم كردستان، و هذا البند تمت أضافته في تعديلات 12 أغسطس.

عالجت أما المادة الثانية قضية الدين في العراق على أنه الإسلام. 

عموما  لا توجد  حالة اتفاق عن معنى الطابع الرسمي ” لدين ” الدولة ، فهو أسير أولا و أخيرا لمغزي العملية السياسية في نظام معين.

بعض الدساتير تنحو الي ذكر الدين بوصفه دين الغالبية ومن ثم فإن عملية تخصيص القيم تضع الدين في اعتبارها بشكل أساسي من خلال تمويل المؤسسات الدينية  و الاحتفال بالرموز الدينية .لكن بعض النظم لا تقتصر علي الطابع الاحتفالي للدين و تقرر سلفا دوره في المجال العام. هنا تجدر الإشارة إلي أن هناك تقليدين رئيسين فيما يخص علاقة الدين بالدستور:

التقليد الاول و هو تقليد ينحي الي عدم الإشارة الي المكون الديني في نصوص الدستور عموما وعدم ذكر دين رسمي للدولة ، سواء بمعني النزعة الحمائية للدين مثل الدستور الأمريكي أو الرؤية الخاصة بأن انحياز الدولة لدين معين هو عبارة عن عملية تمييزية و افتئات علي المغزى الأخلاقي للدولة القومية (الأوربية بصفة خاصة).

التقليد الثاني و هو التقليد الداعي الي أهمية  إدراج الدين في مواد الدستور و ذلك لأن الدين يمثل في العديد من المجتمعات مكونا مركزي  للهوية علي أساسه صيغت نظم سياسية بأكملها  بل وتنزع دول أخري في اعتباره الأساس المركزي للتشريعات الوطنية .

التقليد العربي عموما الذي ساد في الفترات الليبرالية القصيرة التي عاشتها نظم عربية عدة نحي الي تبني و ضع الدين في نصوص الدستور (مثال دستور 1923 في مصر). وكذلك الدساتير العراقية السابقة لدستور 2005.

في الدستور العراقي لعام  1925 جاء النص الخاص بالدين الرسمي غريبا حيث نصت  المادة (13) علي أن:

” الإسلام دين الدولة الرسمي ،و حرية القيام بشعائره المألوفة في العراق علي اختلاف مذاهبه محترمة لا تمس، و تضمن لجميع ساكني البلاد حرية الاعتقاد التامة، و حرية القيام بشعائر العبادة و فقا لعاداتهم، ما لم تكن مخلة بالأمن و النظام و ما لم تناف الآداب العامة”.

فما المعني من عبارة “شعائره المألوفة في العراق” أو كيف يتحول  أداء الشعائر الي أن يصبح أمرا منافيا للآداب.

في دستور 1958 و الذي جاء في فترة مختلفة راجت فيها المفردات الثورية، الا ان هذه المفردات لم تحل من ادراج نفس المعني المبهم، لكن مع اختلاف أن المادة 13 في دستور 1925 تحولت لمادتين هما : المادة 4 والتي تنص علي أن “الإسلام دين الدولة” (مع حذف كلمة الرسمي) و المادة 12 التي حملت مضمون مقارب لمحتوي المادة 13 في دستور 1925 من خلال النص علي ان ” حرية الأديان مصونة و ينظم القانون أداء وظيفتها علي أن لا تكون مخلة بالنظام العام و لا متنافية مع الآداب” و علي هذا المنوال استمرت جميع الدساتير العراقية اللاحقة. 

 حمل  دستور 1963 في المادتين 3 ،28 نفس المضمون.  فالمادة 3 نصت علي ” الإسلام دين الدولة و القاعدة الأساسية لدستورها و اللغة العربية الرسمية.” والمادة 28 نصت علي ” حرية الأديان مصونة و تحمي الدولة حرية القيام بشعائرها علي أن لا يخل ذلك النظام العام أو ينافي الآداب.”.وفي دستور 1968 حمل نص المادتين 4،30 نفس المعني وكذلك دستور 1970 في المادتين 4،25.

كان الاستثناء الوحيد هو قانون إدارة  الدولة العراقية  الذي نص في المادة 7 الفقرة (أ) علي ” الإسلام دين الدولة الرسمي ويعد مصدرا للتشريع و لا يجوز سن قانون خلال المرحلة الانتقالية يتعارض مع ثوابت الإسلام المجمع عليها و لا مع مبادئ الديموقراطية و الحقوق الواردة في الباب الثاني من هذا القانون الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة و الممارسة الدينية.و كذلك  المادة (13) الفقرة (و) التي نصت علي ” للعراقي الحق بحرية الفكر و الضمير و العقيدة الدينية و ممارسة شعائرها و يحرم الإكراه بشأنها.”

جاءت المادة الثانية من الدستور العراقي وهي مقسمة إلى  قسمين:

في “أولا” حيث “الإسلام دين الدولة الرسمي، و هو مصدر أساس للتشريع: ” لكن تم ربط هذه الجملة بثلاث تعليقات مفسرة للمادة.

الأول: ألا  يسن أي قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، و هنا المشكلة الرئيسية حيث إنه سيعطي دورا كبيرا للأفراد في تأويل هذا التعليق خصوصا مع ملاحظة عدم و جود نص قانوني محدد لماهية ثوابت الإسلام ، إلى  جانب أن هناك مساحة خلاف ما بين المذهبين الرئيسيين حول “ثوابت الإسلام”.فلا يعير السنة مثلا أي اهتمام “للمرجعيات الشيعية” و من ثم يظهر الخلاف إذا اعتبرت هذه المرجعيات من ثوابت الإسلام….الخ.

في التعليقين الثاني و الثالث “حيث لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديموقراطية أو الحقوق و الحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور. يلاحظ في هذين التعليقين إن هناك شكل من أشكال  التصادم المتوقع ما بين “ثوابت الإسلام” غير المحددة قانونا والمختلف عليه والذي تركت مهمة تفسيره ببساطة الي من سيحتل غالبية المواقع في سلطات الدولة الثلاث   وبين الحقوق و الحريات المحددة قانونا و التي و إن جاءت مقرونة بعبارة “في هذا الدستور” إلا انها يمكن ان تتعدي نطاق مواد  الدستور و ذلك لكونها منسوخة نسخا من “القانون الدولي لحقوق الإنسان”.

نقطة أخري و هي أن الدستور العراقي قد اتخذ منحي مختلف عن الدول العربية فيما يتعلق بهذا التعليق .العراق بمعني آخر هو الدولة العربية الأولى  التي تضع هذا النص في دستورها.فأغلب الدول العربية تنص علي إسلامية الدولة ونص عن علاقة  الشريعة بالتشريع ،لكن لا يضاف هذا التعليق الخاص بعدم إمكانية صدور يتعارض مع الإسلام.و من ثم تصبح العراق الدولة الثالثة في العالم الإسلامي التي تتبني هذا التعليق بعد ايران وأفغانستان.

يخدم هذين التعليقين أيضا  الرؤية الأمريكية الخاصة بأن هذه المادة عبارة عن حيوية المزج ما بين الإسلام و الديموقراطية (لبيتر جالبيريث مقال محكم حول الدور الذي لعيته السياسة الأمريكية في دعم فكرة إسلامية الدولة. انقر للاطلاع على المقال (للمشتركين فقط). علاوة على الزعم بأن  الدستور العراقي نجح  في تحقيق  المعادلة الصعبة بالمزج بين الإسلام والديمقراطية مقدما  نموذجا فريدا للتطبيق حيث إن  الدستور احتوي علي التزامات كبيرة فيما يتعلق بالديمقراطية و حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي صرح به علانية السفير الأمريكي في العراق. 

ترتبط المادة (2) بشكل كبير مع مادتين أخريين في الدستور ، المادة  (10) و هي مادة يهيمن عليها الخطاب الديني الشيعي من خلال تحديد التزامات الدولة تجاه العتبات المقدسة والمقامات الدينية. و كذلك الفقرة (ثانيا من المادة 91) و الخاصة بإدماج رجال الدين في المحكمة الاتحادية العليا حيث تنص المادة علي أن المحكمة الاتحادية العليا تتكون من “عدد من القضاة و خبراء في الفقه الإسلامي و فقهاء القانون…….”.و لكن المسكوت عنه هنا هو معني مصطلح “خبراء في الفقه الإسلامي”.لقد فتحت هذه المادة الباب للنيل بصورة مجحفة من ميراث الدولة القومية العراقية  علي التشريع لتتبني على العكس منها دولة أخري قائمة علي الفتوى.

الملاحظة الأخيرة فيما يتعلق بموقع الدين عموما ان الدستور أفرد الفقرة :ثانيا من المادة (2) من أجل إقرار الحقوق الدينية لغير المسلمين “كما يضمن(أي الدستور) كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والايزديين والصابئة المندائيين”.

فيما يتعلق بقضية البعثيين،  فقد جاءت المادة (7) الفقرة (أولا) لتحسم الخلاف مؤقتا حولها من خلال النص علي “يحظر كل كيان او نهج يتبنى العنصرية او الإرهاب أو التكفير او التطهير الطائفي، او يحرض او يمهد او يمجد او يروج او يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت اي مسمى كان، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون.”

المنحي العراقي قريب الشبه بالنزعة الانتقامية بشكل كبير.حيث لم يقتصر الأمر علي حظر البعث “كمؤسسة” و إنما تعداه لحظر “الفكرة” ذاتها. لكن يمكن القول إن  الدستور أدرك لاحقا مغبة هذا الحسم فنزل علي رغبة بعض النواب السنة و تمت إضافة إلى المادة (131)الفقرة خامسا لتنص علي أن ” مجرد العضوية في حزب البعث المنحل لاتعد أساسا كافيا للإحالة إلى المحاكم ، ويتمتع العضو بالمساواة أمام القانون والحماية ، ما لم يكن مشمولا بأحكام اجتثاث البعث”.

+++

في الهامش التالي محاولة لقراءة هذه القضايا (دور الدين، موقع الطوائف والأقليات، حظر أحزاب بعينها) في الدستور المسصري الذي ستجري صياغته.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s