في ذكرى جورج ستني: الطفل الذي أعدمته أمريكا

في وقت مضى،حاولت- بدرجة ما من الدأب- الاطلاع على الطريقة التي تفاعلت معها الصحف الأمريكية والإنجليزية حيال قضايا جنائية بعينها يكون فيها المتهمون من خلفيات عرقية/ نوعية/ جغرافية مختلفة.

وكانت الحكمة التي تعلمتها هي ألا تسارع إلى تبني استنتاج من كاتب أو باحث يكتب عن القضية، فقط اذهب وتصفح الطريقة التي تعالج بها الجرائد المختلفة تفاصيل هذه القضايا.

جذبتني مثلا قضية روبرت تومسون وجون فينابلز (طفلان  يبلغان من العمر 10 سنوات)  أدينا بقتل طفل آخر لم يتجاوز العامين في في مدينة بشمال إنجلترا عام 1993.

الصحف البريطانية صورت هذه الحادثة على أنها مطلق الشر، للدرجة التي دفعت الناقد الكبير تيري إيجلتون للإشارة إلى القضية في الصفحات الأولى لكتابه الحديث نسبيا “عن الشر”.

كنت قد كتبت سطورا تعرض لكتاب إيجلتون، وكررت انطباعي العام عن الطريقة التي عالجت بها الصحف البريطانية القضية:

كان للقضية نصيب وافر في إبراز الدور الذي يمكن أن تلعبه الصحافة ليس في مجرد نقل مشاعر السكان المصدومين، ولكن في نشر حالة عامة من الرعب والهلع والقلق بفعل هذا الحادث “الشرير”.

هناك قضية أخرى- ذكرتنا بها سارة كار – تكشف دور الصحافة المذهل في تشييد أبنية من الخيال توهم بها الجمهور وتبرر له أبشع العقوبات التي يمكن أن  يصدرها قضاة.

القضية هي حادثة إعدام “جورج ستني”، الطفل الأمريكي الأسود الذي أعدمته ولاية كارولاينا الجنوبية في 14 يونيو من عام 1944.

From Wikipedia

في ذلك اليوم كان عمر ستني يالتحديد 14 عاما و6 شهور و5 أيام. وجرى إعامه عن طريق الكرسي الكهربائي لإدانته بقتل كل من  بيتي جون بينيكر (11 عاما)  وماري إيما تايمس (8 أعوام).

بدأت القصة في ظهيرة يوم 24 مارس من عام 1944، حين استقلت كل من بيتي وماري الدراجة وخرجتا لقطف بعض الورود.

وفي طريقهما، مرت الفتاتان على بيت أسرة ستني وهي أسرة سوداء فقيرة، وشاهدتا كاثرين ستني وشقيقها جورج خارج المنزل.

تحكى كاثرين، بعد ستة عقود من هذه الحادثة أن بيتي وماري سألتا عن مكان يمكن أن يجدا فيه “زهرة الآلام” (maypop)، وكانت إجابة كاثرين: لا أعرف.  

بعد ساعات، انقلبت المدينة الصغيرة “ألكولو” إلى مشهد ربما نعيه جيدا من الأفلام الأمريكية . رجال يحملون مشاعل ويبحثون عن الفتاتين ولكن بلا جدوى.

لكن في حوالي الساعة 7:30 صباحا، لمح بعض الرجال آثار أقدام في طريق ضيق على حافة المدينة. أرشدت هذه الآثار الرجال إلى مقص ملقى على العشب، ثم بعد مسافة ليست بالكبيرة لاحت لهما الدراجة. وأخيرا عثروا على جثتي فتاتنين عليهما آثار كسور ورضوض .

تقول كاثرين إنه وبعد ساعات جاء جمع من الرجال البيض (ليسوا من الشرطة) وأخذوا أخيها إلى قسم الشرطة حيث احتجز هناك دون أن يعرفوا عنه أى شيء. (لم تكن حقوق للمتهم أو تحذير  الميراندا قد طبق في ذلك الحين).

بعد ساعة واحدة من الاحتجاز أبلغت الشرطة الجمع الغاضب أمامها أن جورج قد اعترف.

قالت لنا المحاضرة في عرضها السريع للقضية، أن الصحف الأمريكية الكبرى لم تهتم بالقضية. فقط مجموعة من الأخبار العابرة. أما العبء كله فكان ملقى على صحف محلية ترسم صورة لكائن وحشي لا يستحق الوجود على الأرض أصلا.

حسب ما كتب عن القضية، فقد اعترف جورج أنه كان يرغب في ممارسة الجنس مع بيتي، وكانت الطريقة الوحيدة لذلك هي التخلص من ماري عن طريق قتلها. ولكن نظرا للمقاومة التي أبدتها بيتي، فقد قرر قتلها هى الأخرى.

من نافل القول هنا أن المناخ العنصري الذي هيمن عى رسم القضية لم يترك أسرة جورج في حالها، فقد جرى فصل جورج ستني الأب من عمله، وأجبرت الأسرة كلها على مغادرة المدينة.

بعض الصحف المحلية احتفت بصدور الحكم الذي يعد واحدا من المحاكمات في التاريخ الأمريكي.

ففي الساعة الثانية والنصف يوم  21 أبريل 1944 بدأت المحاكمة. وقبيل الساعة الخامسة توصلت هيئة المحلفين (كل أعضائها بيض) إلى قرار  يرى في جورج مذنبا ولا يستحق الرحمة.

القاضى قرر على الفور إعدامه جورج عن طريق الكرسي الكهربائي.

لم يكن هناك شهود نفي، ولم يكن هناك استئناف، فأسرة جورج لا تستطيع تحمل نفقات محامي.

بعض المنظمات والكنائس طلبت من أولين تولماج، حاكم الولاية، التدخل لوقف حكم الإعدام. (أنظر هنا صفحة 266).

وأرسل البعض خطابات لحاكم الولاية يندد فيها بتلك العقوبة الهتلرية: “child execution is only for Hitler.” ، هكذا كتب أحد الأشخاص في رسالة إلى الحاكم.

لكن آخرين، عبروا عن سعادتهم “العنصرية” لقرار إعدام جورج: “Sure glad to hear of your decision regarding the nigger Stinney,”، هكذا كتب شخص آخر في خطاب لحاكم الولاية.

 حتى في النقاشات الحديثة حول جورج، يحلو للبعض التأكيد على روحه الشريرة وطبيعة جريمته الوحشية.

أنظر هذا التعليق على أحد المنتديات المؤيدة لحكم الإعدام

Given his age and the racial attitudes of the time, it’s easy for liberals to portray Stinney as a sympathetic executee. But we must never forget the brutal nature of his crime. Although he might have been small in stature, the evilness in his heart was enormous. Had he been allowed to grow up, there is no doubt that he would have been the perpetrator of even more wickedness. So regardless of whether you support capital justice, Stinney was not, and should not be regarded as, a victim.

آخرون لم يعتقدوا أن جورج ضحية، هو فقط فرد تعرض لحملة عنصرية منحطة. لم يتح له الدفاع عن نفسه، لم يمنح الفرصة حتى يحظى بمحام، أفقدوه حقه في الاستنئاف. والأهم من ذلك كله أنهم وبكل وحشية نزعوا منه حقه الأصيل في الحياة.

بهذا الحكم دخل جورج ستني الابن التاريخ لكونه أصغر شخص يصدر عليه حكم بالإعدام في القرن العشرين.

Advertisements

One response to “في ذكرى جورج ستني: الطفل الذي أعدمته أمريكا

  1. Pingback: اللص والكلاب: أنت تنقذ نفسك إن شئت « الثورة ميدان

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s