عن يوم التدوين ضد التحرش

شعار يوم التدوين ضد التحرش

قبل عامين أنفقت بعض الوقت في تسجيل بعض القصص التي روتها مجموعة من الزميلات في جريدة البديل بخصوص التحرش. حاول أن أنشر منها مقتطف صغير هنا، لكن للأسف تحتاج لكثير من الوقت للتنقيح.

قرأت ونحن في بداية يوم التدوين حول التحرش عدة تدوينات حتى الآن، فضلا عن تويتر بالطبع. هناك طغيان للحكايات والروايات الخاصة، وبالنسبة لي هذا أفضل ما يمكن أن أطلع عليه. هل هناك ما هو أمتع من قراءة ما “حكايات البشر” حتى ولو كانت نكد.

س: هل سينجح يوم التدوين ضد التحرش والعنف ضد النساء؟

س مضاد: وما هي معايير النجاح أصلا؟

ج: في ظني سيقاس مدى نجاح هذا اليوم في قدرته على التغلب على …

1-  تحدي ضد الفذلكة: وأقصد هنا توظيف ترسانة من المفاهيم والانطباعات الخاصة والآراء المتعسفة حول جرائم التحرش والعنف. رأيت منذ الصباح الباكر حديث زاعق يستخدم مفاهيم المجتمع الأبوي والذكوري والباطرياركي والشرقي وغيرها… الإفراط في استخدام الـ “مصطلحات” يضيع القضية لأنها تتحول إلى شعارات رنانة لا معنى لها…. واحد من العليقات المبكرة على التحرش أنه يزيد في المجتمع العربي لإنه مجتمع ذكوري؟ وهل هناك أصلا أى مجتمع لا يمكن رميه بأنه مجتمع ذكوري؟

2-  تحدي ضد الاستعلاء: لا أخفي رفضي للصيغة التي كتب بها عنوان هذه الفاعلية “يوم التدوين والزقزقة ضد التحرش الجنسي والعنف الجندري في مصر

لماذا هذا التنطيط واستخدام تعبيرات شديدة النشاز من الناحية اللغوية من عينة “العنف الجندري”؟ قد يكون السبب هو محاولة ترجمة مصطلح gender-based violence (العنف على أساس النوع أو الجندر او الجنوسة أو الجنسانية حسب كل الترجمات العربية المقترحة لمصطلح gender). هذا المصطلح هو أعم وأكثر شمولية من مصطلح العنف ضد النساء Violence against women.  

يعني مصطلح العنف ضد النساء حسب تعريف إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة:

أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة ، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي ممن الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة.

التعريف هنا واضح ودقيق، ولكن لماذا أقل شمولا؟

في العقد الأخير خاضت مجموعة من نسويات غرب أوربا جهودا ضخمة من أجل ضياغة مصطلح العنف على أنه يعني “العنف على أساس النوع” gender-based violence. ويكمن تميز هذا المصطلح في أنه لا يتحدث عن المرأة أو الطفلة الأنثي فحسب، بل يضم أيضا المثليين.

لكن حتى مع هذا التمييز لا يزال مصطلح “العنف ضد النساء” هو الأكثر شيوعا وهو الأقرب إلى جذب البشر للانخراط أكثر في المناقشة.

3-  تحدي المشاركة: لا أدرى هل ستتجاوب كل الأطياف الفكرية في أن تدلي بدلوها في هذا اليوم. هل سيتحدث إسلاميون (إخوان-سلف-تيارات إسلامية اكثر لبرلة)؟ هناك قطاع كبير من الناس يعزون ظاهرة التحرش الجنسي إلى غياب الوازع الأخلاقي. هناك أيضا من يلوم النساء بسبب نوعية الملابس ويحملهن المسئولية عن دفع الرجال للتحرش بهن جنسيا. هناك حاجة ماسة إلى الاشتباك مع أفكار مثل هذه. ولكن من خلال آداب للحوار يستمع فيها الأطراف إلى بعضهم البعض.

4- تحدي الأفكار المعلبة: أنا أعجب لكل هذا اليقين الذي يمتلكه البعض بخصوص جرائم العنف والتحرش. هم يعرفون أسباب هذه الجرائم، وأسباب انتشارها، وكيفية القضاء عليها.

5- تحدي التفكير: أقول التفكير وليس تقديم إجابات جاهزة عن الظاهرة. ما طبيعة فعل التحرش؟ هل تقدم فكرة “الحرمان الجنسي” تفسيرا لازدياد معدل التحرش؟ غياب الأخلاقيات والوازع الديني هل تمثل طرفا في القضية؟ وإذا كانت نعم فإلى أى درجة؟ هل الفتاة التي يجري التحرش بها مسئولة عن تشجيع الرجل بالتحرش؟ (ثقافة لوم الضحية).هل سيتحدث البعض عن التحرش على أساس الدين. بمعني التحرش بقتاة لمجرد أنها ترتدي قلادة عبارة عن صليب؟  كيف يرى الناس قضية التحرش في دول غربية (حيث يزعم البعض إنه لا يوجد حرمان)؟ سؤال آخر: لماذا يزيد الحديث عن التحرش في الشارع ويخشى الناس الحديث عن التحرش في أماكن العمل؟ هناك طبعا أسئلة عن طبيعة المقاومة: كيف يمكن التصدي للمتحرش؟ وهل- في حالة إصداره- سيكون للتشريع القانوني دور في الحد من ظاهرة التحرش؟ سؤال عن البيئة الاجتماعية: هل تشجع بيثات اجتماعية معينة على التحرش (غالبا ما ينسب فعل التحرش إلى شباب يقطنون مناطق عشوائية)؟  تأخر سن الزواج: هل يؤثر على تزايد نسبة التحرش؟ لماذا يتحرش الرجال المتزوجون؟  سؤال أخير: تقييم للدور الذي لعبته منظمات المجتمع المدني في قضية التحرش؟

هناك أسئلة أخرى استوحيتها من سطور أسماء:

6- مفوضية شئون اللاجئيين .. نوع أقسي بكتير من القصص اللي يها علاقة بستات عانوا في بلدهم الأصلي واللي غالبا بتكون منطقة نزاع مسلح وحروب أهلية ..زي دارفور واريتريا واثيوبيا ……….. وبيجوا يطلبوا اللجوء في مصر ، ولأننا أصلا شعب عنصري بالفطرة وفيه نسبة مش قليله من رجالته متحرشين بطبيعتهم برضه .. تخيلوا بقي ست + لاجئة + فقيرة + بشرتها سمرا في الغالب + ممكن جدا تكون مبتتكلمش عربي .. شوفوا بقي تركيبة زي دي ممكن يكون ايه نوع التحرشات اللي بتحصلها

+++++++++++

في عام 2008 كتبت مقالا بعنوان: جديد التحرش الجنسي في مصر. هنا أعيد نشر المقال

“نهى رشدي” هو اسم الفتاة التي كانت سببا من ضمن أسباب، لتحويل مصر المحروسة من مجرد حيز تهيمن فيه جرائم تحرّش جنسيّ جماعية، يفلت مرتكبوها من العقاب، ويتجاهل الإعلام رصدها، ويتواطأ المجتمع فيها مع الجناة، وتنمو خلالها استراتيجية لوم الضحايا، إلى حيز آخر مختلف تماما بجهاز شرطة يقبض على الجناة ومؤسسة قضائية تلقي بذلك “المتحرّش” إلى السجن.

نهى هو اسم الفتاة التي رفضت ذلك المسلك العامّ، الذي تبنّته “شبيهاتها” ممّن خضعن في الأزمنة السابقة والآنية لخطر التحرّش الجنسيّ. ذهبت لتسجّل بلاغا ضد شابّ تحرّش بها جنسيّا في الشارع، ثم مضت إلى المحكمة التي قضت (يوم 21 أكتوبر الماضي) بحبسه ثلاث سنوات مع الشغل في أوّل قضية تحرّش جنسيّ في تاريخ بلاد أضحت تحتلّ المراكز الأولى في العالم من حيث درجة شيوع نطاق التحرّش بأشكاله: الجماعيّ أو الفرديّ، اللفظيّ أو الجسديّ.

باتت نهى- التي أبلغت عن الحادثة في شهر يونيو الماضي- بعد الحادثة نجمة إعلامية، تستضيفها القنوات التليفزيونية الرسمية وتلك الصحف المتحدّثة بلسان أجهزة النظام (ما يطلق عليها الصحف القومية)، ولم لا؟ فقد اخترقت الفتاة بالفعل سلسلة طويلة من المحاذير من أجل المطالبة بحقّها.

صحيفة “الأهرام” خرجت في اليوم التالي لحكم قاضي محكمة الجنايات لتخلط خبر الحكم بالرأي، مشيرة إلى أنّ هذه العقوبة هي الشكل الملائم لردع هذا الشابّ وأمثاله.

قبلها بأيام أفردت نفس الصحيفة (التي طالما نظر إليها بوصفها لسان مؤسّسة الرئاسة في مصر) ملفّا عن ظاهرة التحرّش الجنسيّ، على خلفية الاعتداءات التي حدثت أوائل شهر نوفمبر (في ثاني أيام عيد الفطر)، حين تجمّع عشرات الشباب للتحرّش الجماعيّ بفتيات في شارع جامعة الدول العربية (بحيّ المهندسين الذي يصنّف طبقيا بأنّه من الأحياء الراقية)، مما دفع الشرطة إلى القبض على أكثر من 25 شاب منهم.

تحول مثير هذا، وإن لم يكن شاملا. قبل ثلاث سنوات تعرّضت مجموعة من الصحفيات والناشطات للتحرّش الجنسيّ من قبل مجموعة من البلطجية المؤجّرين من قبل الشرطة وذلك إبان تظاهرتهن المناوئة لتعديل المادة 76 من الدستور المصريّ الخاصة بقواعد الترشيح للانتخابات الرئاسية(ما يعرف بيوم الأربعاء الأسود).

وبعد عدد من البلاغات قرر النائب العام حفظ التحقيق لعدم توافر أيّ أدلّة أو أيّ متّهمين.

هناك حادثة أخرى وقعت قبل عامين، وهى الحادثة المعروفة باسم “العيد الأسود” في عام 2006 ، حيث شهدت، ضمن ما شهدت، عشرات الشباب يشكّلون دوائر في منطقة وسط المدينة يتصارعون على “غنائم” الحرب المتمثّلة في النساء بأنواعهن (السافرات، المحجّبات، المنتقبات). امتدّت الأيدي لتجذب ما تيسّر لها من أجزاء في أجساد النساء، ولم تقف الأرجل عاطلة عن ركل هؤلاء النسوة.

في أزمنة اليوتيوب مقتطفات ممّا حدث، مجتمع يتقافز كله وراء النساء، وجهاز شرطة لا يحرك ساكنا، لا يرغب في التدخّل لأنّ هذا شيء لا يعنيه.

عقب ذلك الحادث، سارعت مدوّنات للحديث عن الجريمة الجماعية، وخصّصت واحدة مساحة لتسجيل ما حدث. رأى الإعلام الرسميّ الحديث عن هذه الجريمة مبالغات لا تستحقّ الالتفات. أمّا القيادات الأمنية فرأت فيها تهويلا إعلاميا ليس إلا.

اللواء إسماعيل الشاعر،‏ مساعد أوّل وزير الداخلية ومدير أمن القاهرة، الرجل الذي صمّم استراتيجية النظام الفعّالة لقمع أيّ تظاهرات، قال في حوار لـ “الأهرام” ذاتها ( 31 يناير 2007)””اعتقد أن هذا الموضوع(التحرّش الجنسيّ في عام 2006) تمّ التهويل في تناوله إعلاميا فأنا لا أشكّ في شهامة الرجل المصريّ في هذا المجال بالذات‏، خاصة أنّ العاملين في وسط البلد غالبيتهم من الوجه القبلي……‏ لا أعرف كيف كان الحديث عن تحرّش جنسيّ صارخ في وسط البلد أيام العيد بهذه المبالغة في ظلّ الوجود الأمنيّ‏، ولماذا لم يبلغنا من صرخوا في الفضائيات بهذه التجاوزات ونحن موجودون بجوارهم”.

تحولات التفسير

هنا حقيقة مجتمعية تتمثل في شيوع ظاهرة التحرّش الجنسيّ بالفعل، بشكل جعل من مصر بلدا استثنائيا في هذا النوع من العنف. نعم تعرف كلّ دول العالم العنف ضدّ النساء بكلّ أشكاله وصوره (من اغتصاب وتحرّش جنسيّ وعنف منزليّ وختان إناث)، إلا أنّ ما يبدو التفرّد المصريّ في حجم وطبيعة الانتهاك الواقع في الشارع المصريّ تجاه أيّ كائن بشريّ يحمل ملامح الأنثى.

يقدّم لنا هذا المسئول الأمنيّ تفسيرا سائدا بالفعل لهذه الجرائم، وهو “نخوة” الرجل المصريذ. إذا غلبت هذه النخوة الرجال قلّت حوادث التحرّش، وإذا تلاشت زادت هذه الحوادث.

تفسير كوميديّ بالفعل، ذلك لأنّ “النخوة” مجرّد كلمة ستدخلنا لاحقا في الدائرة المغلقة لنوستالجيا الماضي الذهبيّ والسلف الصالح، أيّا كان الزمن الذي عاش فيه هذا السّلف.

أنصار هذا التفسير يرون في الأخلاق سببا لهذه الجرائم، وبمجرّد مدّ الحديث على استقامته، تخرج المرأة من القمقم على أنّها “الجانية”، مرّة لأنّ ملابسها تحرّك غرائز الرجال فتدفعهن مجبرين إلى التحرّش، ومرّة لأنّ الرجال لا يقوون على الزواج، ومن ثمّ فإنهم مجبرون أيضا لتفريغ كبتهم بركل هذه المرأة أو ذاك، أو حتى سبّها في الشارع بلفظ مشين.

بعد حادثة العيد الماضي، وقضية نهى، تقدّم ذلك الجناح- الذي قدّم تفسيرا مختلفا- للأمام قليلا، ذلك لأنّ التحرّش طال “المحتشمات”، ولم يقتصر على “السافرات”، وأنه لم يكن بفعل “العزوبية” فللرجال المتزوّجين نصيبهم من التحرّش.

تحوّل الاعتماد على “الأخلاق” ولوم النساء كتفسير للتحرّش إلى أسباب أخرى، بعضها لا يقلّ فجاجة، من أمثلتها إلقاء اللوم على “العشوائيات” أو شباب المناطق التي تشكّل حزام الفقر في القاهرة.

هؤلاء الشباب –حسب هذا التصور-مجرد شباب استثنائيّ في زمن استثنائيّ يصوّر على انه مجرد طير جارح يريد أن ينهش من حوله، حتى نصل في النهاية لقناعة تستثني أبناء المناطق الراقية من الانخراط في مثل هذه الجرائم.

ناشطات المرأة في مصر قدّمن سببا متفلسفا بعض الشيء. ففعل التحرّش فعل عنف أوّلا وأخيرا، مظهره الخارجيّ “جنسيّ” إلا أنه يبطن في داخله ما هو أعمق من الجنس، يحوي في طياته عنفا ورغبة في التدمير.

تفسير آخر يمكن تقديمه في هذا الصدد، يرى في السياسة الصيغة الحاكمة لهذه الجريمة. فقيام الدولة في “يوم الأربعاء الأسود” بالاعتداء على الصحفيات المعارضات كان بمثابة الخطّ الأخضر لتفشّي هذه الجريمة لاحقا في العيد الأسود. الناس رأت بوضوح كيف أن الحكومة هي التي تموّل “جرائم التحرّش الجنسيّ” ومن ثم كان طبيعيا ربما أن يطلق هؤلاء العنان للتحرّش لأنّه ما دامت الحكومة تمول التحرّش فهي على الأقلّ لن تتدخّل لمنعه وردعه.

تفسير التحويلات

وجدت جمعية حقوقية نسائية في ” التحرّش” فرصة ذهبية للعمل. فتركيز المنظمات الحقوقية النسائية كان ولا يزال منصبّا على قضايا النساء الأشدّ وطأة (الختان مثلا)، فضلا عن أنّ قلّة هذه المنظمات وجسامة التحدّي الخاصّ بشيوع أنماط العنف والتمييز ضدّ النساء يدفع هذه المنظمات بالفعل إلى اختيار منطقة لتركيز العمل حولها.

دشّنت هذه المنظمة “المركز المصري لحقوق المرأة” حملة اتّخذت لها عنوانا “شارع آمن للجميع” ترصد فيه مدى شيوع جريمة التحرّش وعواقبها.

وبمرور الوقت الذي لم يكن طويلا خاضت هذه المنظمة حملة كبيرة ونشرت عددا من التقارير كان آخرها إطلاق دراسة مسحية بعنوان “غيوم في سماء مصر”، عرضت فيها بعض الإحصائيات المفزعة من عيّنة تعرض 83% من النساء المصريات لحوادث تحرّش، أغلبها (91,5%) في الشارع.

تضامن مع هذه المنظمة بشكل غير مباشر عدد من الحملات مثل حملة مجلة شبابية تسمى “كلمتنا” المعنونة “احترم نفسك: لسه فيكي رجالة يا مصر”. وبغضّ النظر عن الخطاب المنتقد لبنية هذه الحملات وخطاباتها، إلا أنها ساهمت بدرجة أو بأخرى في حثّ الوعي العام المصري إلى إدراك خطورة القضية بالفعل، خصوصا أنها تطال النساء مرتديات الحجاب (الذي أضحي الزيّ المجتمعيّ الرسميّ)، ولكن في سياق جديد يجري فيه تفاهم مباشر ما بين المحجبات والسافرات مفاده أنّ التحرّش يطالهن بلا تمييز.

حتى هذه النقطة لم تكن هذه الحملات لتدفع بالنظام إلى الاهتمام نوعا ما بجرائم التحرّش، حتى جاء المدد من الخارج، أو بمعنى آخر ما يشكله التحرّش من “تشويه لسمعة مصر”.

“منى الطحاوي” صحفية مصرية تكتب بالإنجليزية وتتمتع بشهرة عالمية فعلا. اعتادت نشر مقالات لها في صحف لها وزن مثل الواشنطن بوست مثلا. دأبت الطحاوي على الكتابة في موضوع التحرّش مكيلة الاتهام لجهاز الدولة لتواطئه مع هذه الجرائم.

صدى مقالات “منى الطحاوى” كان واضحا، ليست بالطبع أوّل كاتبة تسرد فضيحة شيوع التحرّش في مصر، لكنها جعلت هذا الموضوع قضية فعلية حكت فيه خبرتها الشخصية مع التحرّش(مقالها مثلا في ديلي ستار بتاريخ 15 ديسمبر 2006).

أظن أن الطحاوى فتحت الباب، وعليه اندفعت الصحف الغربية في عمل تقارير عن الظاهرة. في هذه التقارير نرى أن مصادر المعلومات ليست في مجموعة الوزراء أو الرسميين،بل في مجرد خليط من المدونين والنشطاء الشباب ورجال ونساء من الشارع.

تواطأ مع هذا الاهتمام الالتفات إلى حقيقة أخرى مفادها أن التحرّش لا يقتصر على نساء هذا الوطن فحسب، فهناك التحرّش بالسائحات الأجنبيات. بالطبع هذا دعم تاريخي ذلك لأن السياحة تمثل “البيضة التي تبيض ذهبا” للحكومة، ومعها- كما أسلفت -جملة “تشويه سمعة مصر” تلك الجملة التي لا محل لها من الإعراب إلا إذا تحوّلت إلى مؤشّرات مالية.

حدث هذا بالفعل، أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية، في تقرير يصدر كل ثلاثة شهور بخصوص معلومات للمواطنين الأمريكيين الراغبين في زيارة دول بعينها، مصر على أنها تمثل قلقا للسائحات بسبب التحرّش. رصد التقرير بعض المظاهر التي قد تسبّب قلقا للسياح مثل حالة المرور والمرافق الصحية وخدمات الإسعاف، ومعها جرائم التحرّش الجنسيّ. قال التقرير إنّ المواطنات الأميركيات في مصر يمكن أن يتعرّضن لـ «التحرّش الجنسيّ والإساءة اللفظية»، خاصّة في وسائل المواصلات والأماكن العامة.

في دراسة “غيوم في سماء مصر” بعض الإحصائيات عن تعرض الأجنبيات للتحرّش. 98% من السائحات تعرضن للتحرّش، ورأت 66.1% من العينة أن تعرضهن للتحرّش كان له تأثير سلبيّ على نظرتهن لمصر، وقالت 7.3% منهن إنهن فكّرن في أن يغادرن مصر وألا يعدن لها أبداً، وإن 4.6% أكدن أنهن سيقمن بنصح صديقاتهن بألا يزرن البلاد.

بفضل هذه الأرقام صممت الدولة إعلانات لتوعية مواطنيها بخطورة التحرّش ضد السائحات، لكنها لم تفعل المثل فيما يتعلق بالتحرّش بالمصريات.

على أية حال، لا تحتاج النساء المصريات إلى إعلانات، فقط يحتجن إلى التعلّم من نهى رشدي كيفية التحرك للأمام للمطالبة بالحقّ.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s