عصرنة الشرطة: مقال للراحل دكتور محمد السيد سعيد

الصورة من رويترز

بصيغة أفعل التفضيل، هذا هو أفضل مقال مكتوب بالعربية عن جهاز الشرطة المصري، كتبه الراحل الدكتور محمد السيد سعيد في جريدة الأهرام عام 1998. السطور تغوص في السياسة والاجتماع والاقتصاد، تحلل نواقص هذا الجهاز وتقترح مدخلا للعلاج. ما يلفت النظر في المقال هو التقييم الإيجابي الذي أبداه الراحل دكتور محمد السيد سعيد لوزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي (الذي يحاكم الآن بتهم قتل المتظاهرين بعد أن أصدرت محكمة أخرى حكمها عليه بالسجن 12 عاما). أذكر بشدة كيف استقبلت قطاعات من النخبة المصرية تعيين العادلي في عام 1998 بترحاب شديد، خلفا لوزير الداخلية مدمن الشعارات حسن الألفي. هذا المقال كانت جزءا من هذا السياق، اى محاولة الدفع بعصرنة الشرطة المصرية لكن ما حدث أن الوزير الجديد (آنذاك) قد رجع بالشرطة إلى عهد المماليك.

(تاريخ نشر المقال في 7 نوفمبر 1998)

نص المقال:

عصرنة الشرطة

بقلم : د‏.‏ محمد السيد سعيد

الشرطة المصرية هيئة محيرة‏,‏ فهي تبهرنا بأدائها العصري والراقي في كثير من المجالات وفي حالات عديدة‏,‏ ويمكننا أن نعدها من أهم أوعية الذكاء والخبرة في مصر‏,‏ فقد خرجت لنا أدباء وكتابا وخبراء علي أعلي مستوي‏.‏

وهي في الوقت نفسه تفجعنا باستمرار التقاليد العثمانية في كثير من المجالات وفي حالات عديدة أخري‏,‏ فما حدث في قرية الكشح بالقرب من سوهاج يحدث كل يوم في جميع أنحاء المعمور المصري‏,‏ ويتفق جميع المراقبين علي أن ما حدث ليس له علاقة بالاضطهاد الديني‏,‏ وأن له علاقة بالانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان علي يد أقسام الشرطة‏,‏ فلا يكاد يكون هناك تحقيق حول أتفه الجرائم أو أكبرها بدون اعتقال عشرات من المتعاملين مع موقع الجريمة وضربهم وايذائهم بكل الوسائل المعروفة من عهد مينا حتي الآن‏,‏ حتي يعترف أحدهم وبذلك يتم حل المشكلة ووضع تقارير عن الجريمة‏.‏

ولا تمثل هذه العادة سوي مظهر واحد للمشكلة فأحوال السجون غير آدمية بالمرة‏,‏ والتعامل مع السجناء العاديين والسياسيين غاية في السوء واستخدام الضباط لأساليب البلطجة في التعامل مع المواطنين هو أمر شائع‏,‏ بغض النظر عن الموضوع والمناسبة والمكان‏.‏

ولهذه الممارسات أسبابها الكثيرة من بينها ضعف الامكانيات والثغرات الواسعة في القانون وشيوع ممارسة القوة بكل صورها في المجتمع وإهدار نصوصه وروحه من جانب النخبة الاقتصادية والسياسية والثقافية علي السواء‏,‏ ومع ذلك‏,‏ فإن الجذور التاريخية وقوة العادة المتوارثة هي من أهم هذه الأسباب‏,‏ فيما يتعلق بأداء الشرطة وعلاقتها بالمواطنين في بلادنا‏.‏

ولنتفق علي أن الشرطة لا تحتكر العيوب في التكوين والسلوك المصري الراهن‏,‏ وأن جميع المهن في مصر شريكة في مثالب وانتهاكات وانحرافات محددة‏,‏ ولنتفق أيضا علي أن انتهاكات الشرطة وتقاليدها السلبية ليست هي كل أجزاء الصورة وأن للشرطة المصرية جوانبها المضيئة والممتازة‏,‏ ولكن لنتفق أيضا علي أمرين يجعلان جهاز الشرطة جديرا بالمساءلة والمراجعة بأكثر من غيره من أجهزة وهيئات الدولة‏.‏

الأول هو أن الشرطة تمسك بجانب لا يستهان به من القوة والسلطة التي يمكن أن تتحول إلي جبروت وإلي افتراء وانتهاك لا يمكن السكوت عليه‏,‏ وفي غياب التجديد العصري للقانون ولجهاز القضاء وصلاحياته وحصاناته‏,‏ يمكن للشرطة أن توقع عقابا شديدا بالمواطن وأن تؤذي بشدة سمعة البلاد بدون أساس من القانون وبانتهاك المباديء الجوهرية لحقوق الإنسان‏,‏ وبدون مراجعة كافية من جانب مؤسسات الدولة والمجتمع وفي حالات معينة تتحول ـ وخاصة عندما يتعلق الأمر بمعاملة الفقراء والمعدمين والآميين ومن ليست لديهم أية قوة ـ إلي سلطة وقوة مطلقة‏.‏

والقاعدة العامة هي أن القوة المطلقة مفسدة وهي ليست فقط مفسدة أخلاقيا‏,‏ بل إنها أيضا مفسدة مدنيا ومفسدة مهنيا‏,‏ ومفسدة سياسيا‏,‏ وتحتم هذه الحقيقة تقوية أشكال المسائلة والمراجعة من جانب سلطات الدولة ومؤسسات المجتمع وبصورة منهجية ودائمة ومنظمة‏.‏

أما الأمر الثاني فهو أن التقاليد التاريخية والموروثة منذ عهود سحيقة لها نفوذ أكبر داخل هيئة الشرطة بأكثر من غيرها من الهيئات والجماعات ومن أهم هذه التقاليد العقاب الجماعي‏,‏ والتوسع في الاشتباه وإساءة معاملة المواطنين إن وراء التجدد التلقائي والاستمرارية العجيبة لهذه الظاهرة اعتقادات معينة منها أن العبرة بالنتيجة وأن المجرمين المؤكدين والمحتملين كائنات حيوانية‏,‏ وأن الواقع هو الذي يفرض هذه الممارسات ووراء تلك الفكرة الأخيرة ذهنية تقوم علي صورة نمطية للمصريين خاصة فقراءهم لا تختلف كثيرا عن ذهنية الاستعمار البريطاني في نظرته للمصريين‏,‏ وذهنية المستشرقين المتطرفين في نظرتهم للعرب عموما‏.‏

وبسبب غلبة هذه العقلية بين ضباط الشرطة وتوارثها جيلا بعد جيل‏,‏ ربما لم يعد بمقدور حتي أفضل وزراء الداخلية وقف تلك الممارسات البشعة‏.‏

فالأرجح‏,‏ والله أعلم‏,‏ أن ثمة مدرستين داخل وزارة الداخلية مدرسة تقليدية وأخري تطالب بالتحديث والعصرنة‏,‏ وأن المدرسة الأخيرة ربما تكون قد سادت لفترة قصيرة ثم عادت السيادة إلي المدرسة الأولي وحتي لو جاء وزير مهني ومتميز ويتمتع باحترام وتقدير الجميع مثل الوزير الحالي السيد حبيب العادلي‏,‏ فإنه قد لا ينجح في هز التقاليد القديمة أو تغيير ذهنية الضباط‏.‏

وبمقدورنا أن نعتمد علي العقل المهني والمتفتح للسيد الوزير بدرجة كبيرة‏,‏ غير أن الأمر يحتاج أيضا إلي تقوية الرقابة والتخطيط الذاتي من جانب هيئة الشرطة وإلي تقوية الرقابة والمساءلة من جانب المؤسسات الأخري ذات الصلة وعلي رأسها القضاء ومجلس الشعب‏.‏

ونتصور أنه قد أصبح من الضروري تقوية دور المجلس الأعلي للشرطة كهيئة تخطيطية يمكن أن يكون لها وظيفة رقابية داخلية‏,‏ فإصدار تعليمات حاسمة للضباط لا يكفي وإنما المطلوب هو وضع معايير ايجابية محددة وصارمة للترقي ولتولي المسئولية وللأداء المهني للضباط وصف الضباط‏.‏

ونتصور أيضا أن النيابة لم تقم بواجبها في حصر انتهاكات الشرطة لحقوق الإنسان ووقف التقاليد المتوارثة القهرية بسبب ضعف حصانتها‏,‏ ولابد من تدعيم هذه الحصانات من الناحيتين القانونية والفعلية‏,‏ وكذلك تدعيم تقاليد القضاء داخل صفوف النيابة‏,‏ بعد أن نالها الوهن وقسوة الأيام‏.‏

أما الرقابة الأهم فيجب أن تأتي من مجلس الشعب‏,‏ الذي يجب أن تعرض عليه تقارير دورية عن أداء هيئة الشرطة ووزارة الداخلية بصفة دورية‏.‏

هذه الأفكار تمثل حدا أدني لإعمال المحاسبة والرقابة علي أهم وأقوي سلك مهني في مصر‏,‏ وعلي عكس الفكرة الشائعة‏,‏ فإنها لاتضعف هذا السلك بل تقويه وتدعمه لأنها تمثل أبسط مقتضيات العصرنة والتحديث الواجبة لهذا الجهاز الوطني المهم‏.‏

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s