بورسعيد: في جدل المدن المخلوقة من العدم

إعادة تشكيل الجغرافيا، تلك هى الفرضية الأساسية التي لجأ إليها قاسم مسعد عليوة راصدا بها التطور التاريخى لمدينة بورسعيد المصرية، والتي تكتسب شهرتها عربيا من كونها المدينة التي صاغت بمقاومة أبنائها(الفدائيين) في عام 1956 إحدى اللحظات المؤسسة في خطاب الدولة الناصرية في حربها ضد الإستعمار.وكحال معظم الكتابات (في العلوم الاجتماعية أو الإنسانيات) التي تتناول “سيرة أي مدينة عربية”،فإن الطابع الرومانسى يظل صاحب الكلمة الأولى في المعالجة، فكتاب مسعد عليوة هذا يحمل عنوانا ينتمي إلى عالم الشعر “بورسعيد المدينة الإستثناء”، أكثر من كونه ملائما لعالم التحليل الثقافي، فيصف المدينة مثلا بأنها “تقع خارج الأطر” وعمارها ” لا يعرف غير التنامي و الازدهار”، الخ من الصياغات اللغوية التي تضفي ريبة على المضمون أكثر من إضفاء الشرعية على مقولاته وفرضياته.اسثتناء بورسعيد، هو الوصف الذى يمكن أن يطلق على أيَ مدينة عربية، سواء كانت عمان (الأردنية) التي غيرت من طابعها البدوى إلى طابع أكثر عصرية في مجال معمارها،أو كسمايو، الواقعة في الجنوب الصومالى والتي نأت بنفسها بعيدا عن طراز العمارة الأوربية،أو حتى الخرطوم (العاصمة المثلثة) في شمال وسط السودان، وغيرها من المدن.خاضت كل مدينة من هذه معركة ما مع “الجغرافيا البشرية” من حيث طبيعة تركيبتها السكانية فضلا عن المعركة التي خاضتها مع الجغرافيا الطبيعية(طبيعتها المكانية) من أجل أن تتمدد وتصيغ لنفسها تاريخا مغايرا.

هذان العاملان أي الامتداد المكاني والامتداد السكاني هما من يمنحان المدن العربية تاريخها الجديد، والذي يختلف جذريا عن الشذرات التي قيلت هنا أو هناك عن هذه المدن في كتب التاريخ. مدينة بورسعيد مثلا لم يكن لها حظ كبير في كتب التاريخ سوى إشارات حول “الفرما” الإسم القديم للمدينة في “معجم البلدان” لياقوت، أو شذرات أخرى في “النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة” لابن تغري بردي.

في كتاب عليوة، تأثر وضاح بأفكار عالم الجغرافيا المصري الأشهر جمال حمدان والتي صاغها في كتابه “شخصية مصر:دراسة في عبقرية المكان”، حيث ساق فيها فرضية أن لكل إقليم شخصية، ومن ثم تصبح المهمة هى البحث عن أسباب تفرد هذا الإقليم أو ذاك وتميزه، بهدف النفاذ إلى “روح المكان” وإكتشاف “عبقريته(أي الإقليم) الذاتية”، التي تحدد “شخصيته الكامنة”.أو في النهاية وبكلمات أقل صخبا قدرة العامل الجغرافي على تشكيل وصياغة الإطار الحضاري لأمة ما، أو مكان معين.

طبق حمدان هذا الإقتراب على مصر، بعد أن استعار مقولاته الأساسية من الدراسات الجغرافية الأوربية تحديدا، والتي فطنت فيها مثلا المدرسة الجغرافية الإنجليزية، إلى صعوبة وقوع بريطانيا فريسة للغزو الأجنبي، بسبب عزلتها البادية عن القارة الأوربية، ومن ثم دفعت هذه الحقيقة النخبة الحاكمة في بريطانيا إلى أن تصوغ سياسة خارجية فريدة في القرن التاسع عشر، تضمن بها الحفاظ على توازن القوى في القارة الأوربية والتدخل السريع في أي وقت تحاول فيه أي من هذه القوى (سواء كانت فرنسا، أو الدولة العثمانية، أو بروسيا، أو الأمبراطورية الروسية) خلخلة هذا التوازن.

وإذا كانت الجغرافيا قد مكنت بريطانيا من بسط واقعها الاستعماري، أو تكوين الشخصية الفرنسية النازعة للهيمنة كما في كتاب لافيس “شخصية فرنسا من الناحية الجغرافية”، فقد كان من حق الشعوب المستعمرة أن تبحث في شخصيتها، خصوصا وأن لكل مكان موقعا على الخريطة.

وعبر صفحات “بورسعيد المدينة الاستثناء”، والتي تعد أقرب إلى عالم الأدب منها إلى عالم الجغرافيا، يحلل الكاتب اللحظة المؤسسة للمدينة، والتي قدر لها أن تتوازى مع بدء عمليات الحفر في قناة السويس- المشروع الإستعمارى الأشهر في عالم الشرق في القرن التاسع عشر –وذلك في 25 أبريل 1859،

كان حظ المدينة إذن أن يعلن عن إفتتاحها في حفل افتتاح القناة (1869)-والذي يمثل تقريبا الحفل الأكثر بذخا في التاريخ المعاصر-والذي تكلف مليونا و400 ألف جنيه مصري(بحساب ذلك الوقت)، بداية من الدعوات التي كتبت على “رق الغزال وانتهاء بالولائم والحفلات الباذخة، التي استمر ترتيبها نحو أربعين يوما”.

وفي كتاب سيلفيا موديلسكى، “العودة إلى بورسعيد” Port Said Revisited وصف أكثر دقة وشمولا حول حفل الإفتتاح، الذى لم ينه تاريخا طويلا من الصراع الفرنسى البريطانى عليها، فإلى جانب عناصر العوائل المالكة الأوربية، الإمبراطورة الفرنسية أوجيني، والإمبراطور النمساوي المجري فرانز جوزيف، وولي العهد الهولندي، حضر إلى الحفل لفيف من الكتاب و الأدباء مثل هنريك إبسن، وإميل زولا،وقد أُخذا بالبذخ الذي ميز حفل الإفتتاح، إلا أنهما وكما يقول المؤرخ فارني، فشلا أو لم يهتما بكتابة أي مذكرات ذات قيمة عن الحدث.

إلا أن المحصلة النهائية هنا أنه – بسواعد مصرية- خلقت مدينة من العدم، صارت تحتل مرتبة متقدمة للغاية في التأثير وصناعة الفعل السياسى ما بين المدن المصرية (بعد القاهرة والإسكندرية)،وهى في ذلك تتشابه بشكل منقطع النظير مع مدينة صينية هي شنغهاي، والتي قدر لها أيضا أن تخلق من عدم، وأن يبدأ تكوينها الحديث في نفس الفترة التي بدأ فيها تكوين وتشكل بورسعيد أي في القرن التاسع عشر، كميناء للتجارة مع الغرب (نفس المقصد الذى حفرت من أجله قناة السويس)، وعلى طول خط المعارك ذات الصبغة الإمبريالية كانت شنغهاي شاهدة على العنف البريطانى في حرب الأفيون الأولى أوائل القرن التاسع عشر، وكانت بورسعيد من ناحيتها شاهدة على إستخدام القناة كأداة لاحتلال البلاد من قبل نفس المستعمر في عام 1881. وعانت كل من المدينتين من الفصل العنصري ما بين مستوطنات الأجانب من ناحية، وأحياء السكان المحليين من ناحية أخرى، كما أورد لوسيين بودار في كتابه “السيد القنصل”.

وخلال صفحات الكتاب، يقدم عليوة، تحليلا تاريخيا لافتا حول عمليات تكوين مدينة بورسعيد، سواء من ناحية الإمتداد العمرانى أو من الناحية الديموغرافية أي طبيعة التشكيل السكانى للمدينة، وفي هذا الصدد يرى أن المدينة(أي بورسعيد) تفردت عن باقي المدن بحقيقتين هما تبلور المواجهة بين “الثقافة العربية والثقافات الأجنبية في حيَين متقابلين هما حيَ العرب وحي الإفرنج”، والثانية إستخدام الإسم “أبو العربي” للتأكيد على هوية المدينة ضد الجاليات المسيطرة عليها.

رغم من هشاشة صياغة هذا التناقض (ثقافة عربية في مقابل ثقافات أجنبية يعبر عنها بصيغة الأحياء السكنية)، إلا أن حقيقة التناقض ما بين العنصر الوطني وعناصر الجاليات الأجنبية كانت الصيغة التي حكمت (إلى جانب عوامل أخرى)تاريخ هذه المدينة، مثلها مثل مدينة الإسكندرية تماما، والتي دأب الرحالة على التمييز ما بين أحيائها “الأجنبية” المتطورة، وتلك التي يقطنها العرب، حيث تسود حالة الفوضى والقذارة والبدائية.

وربما يكون هذا هو جوهر الخلاف ما بين الكتابة الوطنية، وكتابة المستعمر القديم، فعلى حين تغرق الكتابة الوطنية في تمجيد العنصر البشرى (الوطنى)، وأنه العنصر الباني والحامي، تختزل الكتابات التي تحمل حنينا لعهد الإستعمار المدن في جالياتها الأجنبية التي تضفي على المكان طابعا كوزموبوليتانيا مزيفا، حدث هذا في رباعية اليوناني لورانس داريل عن مدينة الإسكندرية، وحدث أيضا مع كتاب موديلسكي حول بورسعيد.

في كتابها هذا، تطرقت إلى نفس الثلاثية التي تناولها عليوة، رصد لمحطات تاريخية، ووصف المكان (جغرافيا وعمرانيا)، وتداع للذكريات، ولكن يكمن الإختلاف في المنحى الذي تساق فيه هذه الثلاثية، فعلى حين تطرح موديلسكى التي أمضت طفولتها في بورسعيد في أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات(أي في أوج نضال المصريين ضد الإستعمار)، صورة للمدينة على أنها ذلك التكوين الكوزموبولتانى، وعناصرها السكانية من إنجليز وفرنسيين وجاليات أقل عددا، يركز عليوة على أحياء العرب ونضالهم للسيطرة على المدينة التي خلقت بسواعدهم.

وبينما تفصل موديلسكي في تفاصيل الصراع الفرنسي، الإنجليزي حول القناة، يستدعى عليوة المعاناة الإنسانية للفلاحين المصريين الذين ساقهم النظام الحاكم، بضغط من مصمم المشروع فرديناند ديليسبس، إلى حفر القناة عن طريق السخرة.

وفي مقابل فرحة عليوة بإزاحة الجاليات الأجنبية، أو موظفي الاستعمارعن المدينة، تقدم كاتبة”إعادة زيارة بورسعيد” تفاصيل زيارتيها اللاحقتين للقاهرة، الأولى في مرحلة أفول الدولة الناصرية في عام 1966، وقبل عام من تدمير المدينة بالكامل في عدوان 1967، والثانية في عام 1981 أي في ظل صعود الدولة المصرية الجديدة القائمة على التنكر للحقبة الناصرية ومفرداتها وخطابها، تقول الكاتبة إن ما شاهدته من “المدينة التي عرفتها قبل عقود، ذهبت وإلىالأبد، وقريبا ستنسى”،دونما أي إشارة إلى دور القوى الغازية في تدمير المدينة. وهو الدور الذى مازال يسيطر على كل الكتابات التي أجهزت على مدينة دريسدن الألمانية، والنقمة على البربرية التي دمرت واحدة من أيقونات التاريخ الأوربي، ورفضا لفرضية أن تدمير دريسدن لم يكن سوى الحل الوحيد للقضاء على العنصرية النازية.

لكن على أية حال فإن عجلة الإقتصاد أرجعت دريسدن إلى شكل قريب من الذي كانت عليه، ولكن لم يحدث هذا في بورسعيد، وقد أضحت لاحقا مختبرا للتجارب البشرية سواء من خلال إقامة سوق حرة فيها جعلت بورسعيد أحد تجليات سياسة الإنفتاح الإقتصادى التي دشنها الرئيس أنور السادات في منتصف سبعينيات القرن الماضى.

أهمل الكاتب هذه المرحلة المفصلية إهمالا كاملا، لم يقدم أي تحليل حول طبيعة تعامل أهل المدينة مع الكوارث العسكرية المتلاحقة، سواء في عدوان أو 1956 أو عدوان 1967، وحتى في رصده للخريطة العمرانية من أمكاكن اللهو، وأماكن العبادة لم يحاول تقديم أي تحليل أو رصد لكيفية تعامل أهل المدينة مع التحولات الدينية التي عصفت بالبلاد ككل، خصوصا وأن اماكن اللهو وقفت أمام منصة القضاء في أوائل الثمانينيات بهدف تجريم وجودها في المدينة.

لقد تزامنت موجة الإحياء الديني في البلاد(وفي مدينة بورسعيد) مع خرافة المدينة الحرة التي روج لها السادات وفي هذا لم تكن بورسعيد تحمل أي استثناء، بل تحمل تشابها واضحا مع غيرها من المدن المصرية والتي باتت تئن تحت ضربات جغرافيا المحافظة الإجتماعية التي شاعت في البلاد.

نشرت بموقع الأوان

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s