>النساء والكتابة: الأفعى التى تسقي السم

>

بقلم: أحمد زكي عثمان
الجمعة 11 تموز (يوليو) 2008

كان ممتعا “وشجاعا” للغاية أن تعترف كاتبتان (د. رجاء بن سلامة، ومها حسن) أخيرا بالحقيقة “المرّة” وهي قلة إنتاج المرأة الفكريّ والأدبيّ. أقول أخيرا لأننى أزعم بوجود خشية من قبل النخب الفكرية والسياسية التي راهنت على قضية حقوق النساء وحرياتهن من الاعتراف بحجم الهوة التى لا زالت تفصل ما بين النساء والمعرفة (صنعة الكتابة على وجه الخصوص). ففي الإقرار بحقيقة هذه الهوّة تأييد “المكره” لدراويش وأنصار خطاب “الفوارق البيولوجية” بين الجنسين الذي ما فتئ يبشر بحتمية تأثير الاختلافات البيولوجية بين الرجل والنساء على طبيعة الأدوار والمكانات الإجتماعية
.
في خطاب الفوارق البيولوجية هذه تقوم قطاعات مجتمعية (وسياسية أيضا) باستغلال “الاختلافات البيولوجية” العامة بين الرجال والنساء من أجل تصميم نشاطات إنسانية تميز الرجال عن النساء. فيتولّى الرجال مهامّ “العمل” والإنتاج المادي بينما تلزم النساء المنازل. وبموجب هذه المهام يصبح الرجل هنا منتج الثروة المادية والعقلية ومن ثم المتحكم فيها.
الثورة المادية والعقلية هنا هى بمثابة “الموارد” فى علم السياسة، أو السلطة في علم الاجتماع، وأحد أشكال السلطة هنا هو “تنظيم الثقافة” والسيطرة على حركة الافكار العامة في المجتمع. ينتج الرجل أفكارا تضعه مرادفا للعقل أما النساء فلا ينتجن الأفكار ومن ثم فهن الموضوع لا الذات أو الجسد لا العقل.
في الثقافة العربية القديمة والمعاصرة رسمية كانت أو غير رسمية، مارس الرجال احتكارا لإنتاج الأفكار وتدوينها. فى بيت شعر يعود إلى قرون بعيدة قيل “ما للنساء وللكتابة والعمالة والخطابة/هذا لنا ولهن منا أن يبتن على جنابة”. وفي عصر ما يسمّى بالنهضة العربية خرج أديب ومترجم مصري شهير هو مصطفى لطفى المنفلوطى (1876-1924) فى أتون المعركة من أجل تعليم الإناث ليقول “يا قوم لم تخلق بنات الورى/للدرس والطرس وقال وقيل/لنا علوم ولها غيرها /فعلموها كيف والإبرة في كفها/طرس عليه كل خط جميل”.
قد يقول قائل إن عالمنا العربى لم يكن استثناء في نزعة احتقار عمل النساء بالكتابة، ففي الحضارات الآسيوية والأفريقية والغربية أيضا نماذج مشابهة لشكل التعامل العربي مع “معرفة النساء” ولا تزال فاعلة إلى الآن. وهذا صحيح بالطبع لكن الاختلاف الأبرز يكمن فى مدى كثافة استمرارية نمط إقصاء النساء من مجالات المعرفة.
العالم العربي يعجّ بطوفان حقيقي للتنميط وإعادة إنتاجه، وهناك بالفعل عداء لمشهد “المرأةالكاتبة” أكثر من أي ظاهرة أخرى. انشغال “المثقف العربي” (لا وجود هنا للمثقفة العربية) كان على الدوام بقضايا المجال العام (مؤسسات السلطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية)، لم يترك أيّ وقت لقضايا المجال الخاص(علاقات الزواج العادلة مثلا).
قليلة هي إذا الأصوات التي كانت تناقش قضايا علاقة المرأة بالتعليم مثلا؟ وحتى إن تحدثت هذه الأصوات، فالغلبة للتي تنظر إلى التعليم “التعامل مع المعرفة” على أنه وسيلة ستمكن النساء من تربية الأطفال بشكل أفضل. فى هذا السياق جاء بيت الشعر الذى صاغه حافظ إبراهيم (1872-1931) من أنّ “الأمّ مدرسة إذا أعددتها/أعددت شعبا طيّب الاعراق”. وبالطبع لا يكمن الخلاف مع هذه الرؤية فى طبيعة الدور الإجتماعى لـ “الأمّ” (أو الأب)وأثره على الأجيال، وإنما فى المنطق الحاكم وراء هذا البيت الشعريّ الذي يقصر أدوار النساء (صغارا أو كبارا ) على كونهن أمّهات ينبغي أن يلزمن منازلهن.
لقد انصبّ جلّ الاهتمام في فترة النهضة العربية (القرن اللاحق للحملة الفرنسية على مصر)على بناء مؤسسات الدولة “الذكورية” مثل الدستور والبرلمان والحكومة القوية ودفع القضية المركزية “الاستقلال الوطنى” إلى أقصى سقف ممكن.
ولم تنظر الخطابات السياسية العربية الكبرى (إلا لماما لقضية النساء). لقد كانت المرأة جزءا من مشروع الاستقلال لدى حركات التحرّر الوطني في معظم البلدان العربية من حزب الاستقلال فى المغرب وجبهة التحرير الوطني فى الجزائر مرورا بالحزب الحرّ الدستوريّ في تونس وصولا إلى حزب الوفد فى مصر، إلا أنها -وفي نفس الوقت -لم تصبح طرفا في التسويات السياسية التى صاغتها هذه الحركات مع القوى الاستعمارية ولا في ترتيب البيت الداخلى بعد الحصول على الاستقلال الوطنى.
المثال الأبرز فى هذا السياق فى مصر فبعد أن هدأ لهيب التحرك الشعبيّ الواسع في ثورة 1919 الذى قدمت خلاله النساء المصريات تضحيات فعلية (فقدن أروحهن فى تظاهرات معادية للاحتلال)، لم تستجب النخبة السياسية المطالبة بالاستقلال سوى بالتندر على مطلب النساء منحهن حقّي التصويت والانتخاب.
وعقب تحقيق الاستقلال الكامل (عقب ثورة يوليو) كان لزاما على طائفة من النساء أن يعرضن حياتهن للخطر الفعلى (إضراب مجموعة من النساء فى عام 1954 )حتى تستجيب النخب السياسية الجديدة لمطلبهن الخاص بالحصول على حقوق الانتخاب والترشيح.
أحادية الخطابات السياسية فى المجتمعات العربية أفرزت حقيقة أخرى تتمثل فى أن مخرجات السياسة التعليمية فى بلداننا العربية لم تأت بالمأمول منها. فرغم تساوي الجنسين تقريبا فى مقاعد الدراسة قبل الجامعية وما بعدها فى الدول العربية من محيطها إلى خليجها، إلا أنّ الغلبة في سوق العمل والأفكار ظلت للذكور.
وحسب تقرير للبنك الدولي “المرأة والمجال العام” فى 2003 فقد ارتفعت نسبة النساء المتعلمات فى العالم العربي من 16% عام 1970 إلى 52,5% عام 2000. وشهدت المنطقة أيضا تحولا كبيرا فى نسب إلحاق الفتيات بالتعليم الابتدائي (9 فتيات مقابل 10 فتيان فى عام 2000)، ونسبة أقل فى التعليم الثانوي (7,4 فتاة مقابل 7,7 فتى فى نفس العام). ونفس الأرقام تقريبا تنطبق على التعليم الجامعي.
إلا أن مخرجات التعليم ساقت لنا حقيقة أخرى تتمثل فى أنّ “منتجي الفكر” أو ما يسمى بالمثقفين هم من الرجال، نسمع ونقرأ ونشارك فى حوارات موضوعها “المثقف والسلطة”، لكننا لم ندرب آذاننا (أو أعيننا) إطلاقا لعلاقة “موجودة” بالفعل وهى علاقة “المثقفة بالسلطة”.
فى معظم البلدان الغربية هناك تندر مختلف. يتحدث متخصصون فى مجال التعليم عن غياب الذكور من مقاعد الدراسة الجامعية.
فى بريطانيا مثلا (قلعة النضال النسوي) تاريخيا مع الحاضرة الفرنسية، كتبت “ويندى بيرلينر” محرّرة صفحة التعليم الشهيرة فى صحيفة الجارديان ( عدد 18 مايو 2004) تقريرا حمل عنوان “أين ذهب الشباب؟” تتحدث فيه عن اختفاء أصوات الرجال ومساحتهم فى التعليم العالى البريطاني (أكبر المراكز الأكاديمية فى العالم)، ليس فقط فى المساقات الدراسية التقليدية (مثل علم الاجتماع، ولكن فى كثير من المساقات الأخرى، وبدا الرجال فى هذه الحالة مختفين مثل “ذباب ما قبل العاصفة”. “Throughout the UK higher education system, women are the dominant number in many subjects while men are disappearing like flies before a thunderstorm”.
هذه الحقيقة التى ساقتها بيرلينر أفضت إلى حضور نسائي واضح في عالم إنتاج الأفكار في بريطانيا وغيرها من الدول الأوربية (سواء الأكاديمي أو البحثي أو الصحفي).
وبالمقارنة فإنّ حضور النساء العرب فى عالم إنتاج الأفكار “قليل” سواء فى الجامعات أو مراكز البحث أو الصحافة هو حضور هزيل، فلا يزال المجتمع ينظر للمراة المتعلمة على أنها الأفعى التى تسقي السم، على حدّ قول رجل وصف بأنه “حكيم”.
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s