هل لا زالت هناك مقاعد للنساء فى سرادق عزاء السياسة المصرية؟

جاء عقد المؤتمر الرابع للحزب الوطنى الديموقراطى فى الفترة من 19 إلى 21 سبتمبر من عام 2006 تحت شعار “الفكر الجديد وانطلاقة ثانية نحو المستقبل”، ليلقى بظلال من الشك والريبة حول طبيعة هذا المؤتمر وشعاره من ناحية وحقيقة الأهداف التى يرمى لتحقيقها من ناحية أخرى. وتمثل الهاجس الأشد وطأة لدى قوى المعارضة سواء الحزبية أو غيرها، فى السيناريو المحتمل لنقل مفاتيح اللعبة السياسية إلى جمال مبارك نجل الرئيس المصرى. وهو هاجس أكدته متابعة فعاليات هذا المؤتمر الذى تميز بالنشاط والحضور الطاغى لجمال مبارك، وخصوصا المساحة الإعلامية الهائلة التى تم إفرادها له فيه.

أزعم هنا أن السمة الرئيسية للجدل حول هذا المؤتمر كان تركيزه على الجوانب الأكثر “سينمائية” فيه، بينما لم يتطرق النقاش حول المؤتمر، إلا فى القليل، إلى إلقاء الضوء عما جرى فى المؤتمر بالفعل. تنسحب هذه السمة على المؤتمرات السنوية الثلاث السابقة للحزب الوطنى والتى بدأت بالمؤتمر الأول فى سبتمبر 2003.

شهد المؤتمر الأول هذا التبشير بالصعود السياسى المنظم لنجل الرئيس (جمال مبارك) وللجنة السياسات التى لعبت دورا أقرب إلى سلطة تنفيذية حقيقية وليست حكومة ظل. نفس السيناريو تقريبا تكرر فى المؤتمر الرابع، ومن ثم لن أتطرق هنا إلى القضايا التى حظيت باهتمام إعلامى طاغ مثل قضية الاستخدام السلمى للطاقة النووية. ولن أتطرق أيضا إلى التقليد المصرى الراسخ الذى اعتاد أن يميز بين نوعين من القضايا: قضايا كبرى أو(أصلية، أولية ومركزية)، ينبغى أن يتوجه إليها جل الاهتمام والمناقشة والتفاعل، وقضايا أخرى صغرى أو (فرعية، ثانوية أو هامشية) لا مجال لمناقشتها أو فتح حوار حولها، فهى قضايا تعطل العمل ولا تدفع بالنقاش إلى الأمام. أحد هذه القضايا “الصغرى” هى قضايا النساء المصريات بالطبع، والتى يكاد يتفق فيها كل الفاعلين السياسيين، سواء حكومة أو معارضة إسلامية أو مدنية، على أنها قضايا صغرى لا معنى لها تعطل التفكير والعمل فى أحيان كثيرة، أو أنها بعض الترديد لمحتوى “أجندات غربية بامتياز”، أو حتى درجات متباينة من الصراخ والعويل تطلقها مجموعة من النساء المعزولات عن الجوهر الحقيقى لمعاناة الشعب.

على أى حال، ودون الدخول فى مناقشة مع المقولات والفرضيات السالفة، جاء المؤتمر الأول للحزب الوطنى والذى عقد فى سبتمبر 2003، فى ظل اعتقاد الحكومة المصرية بضرورة بلورة أجندة حكومية حول قضايا المرأة. وهى الأجندة التى تم تصميمها بناء على الخبرة التى اكتسبتها الأطر الرسمية فى الدولة من المشاركة فى مؤتمرات السكان والتنمية (القاهرة 1994)، أو مؤتمر المرأة العالمى الرابع (بكين 1995). كما لا يمكن إغفال التعامل الرسمى الجاد (على مستوى التصريحات بالطبع) مع الأهداف الإنمائية للألفية.

كان هناك سببين محوريين لدفع الحكومة للتفكير الجاد فى تصميم أجندتها حول المرأة، أولهما إدراك الخطورة الناجمة عن عزوف النظام عن متابعة التطورات العالمية فى مجال صياغة وبلورة الرؤى والأفكار والاستراتيجيات المتعلقة بتمكين المرأة. أما الثانى، والذى شجع النظام على تصميم الأجندة، فهى استفادته بالفعل من بعض الإجراءات ذات الطابع الشكلى المنصوص عليها فى منهاج عمل بكين، بغير مجازفة بالذهاب بعيدا فى بناء أجندة وطنية توافقية حول قضايا النساء المصريات، قد تكشف فى المدى القريب (وليس البعيد) عن حالة التردى غير المسبوقة للنظام السياسى الحالى ليس فى حل المشكلات الاجتماعية، بل حتى فى مجرد إدراتها.

على هذا الأساس جاءت ورقة المرأة فى المؤتمر السنوى الأول للحزب الوطنى فى عام 2003 بعد ثلاثة تطورات فى مجال أوضاع المرأة المصرية، أولها إصدار القانون رقم 1 لسنة 2000 بتنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية (المعروف إعلاميا بقانون الخُلع)، وما تضمنه أيضا من تخفيض تكلفة التقاضى وتيسير إجراءاته، بالإضافة إلى إقرار حق الخلع والطلاق من الزواج العرفى. الثانى صدور القرار الجمهورى رقم 90 لسنة 2000 بإنشاء المجلس القومي للمرأة، والذي أنيط به، حسب القرار الجمهوري، عدة مهمات عامة تتمثل في اقتراح سياسات ووضع مشروع خطة قومية للنهوض بالمرأة وحل المشكلات التي تواجهها. وكذلك تقييم السياسة العامة في مجال المرأة. أما التطور الثالث فهو تعيين السيدة/ تهانى الجبالى كأول قاضية فى التاريخ المصرى الحديث (فى المحكمة الدستورية العليا).

كانت هذه التطورات الثلاث فى صلب منهاج عمل بكين، فهى تمس فى النهاية (بغض النظر عن حدودها وأهميتها وآليات عملها) ثلاثة أبعاد مختلفة فى هذا المنهاج عمل بكين، هى البعد التشريعى والقانونى (قانون الخلع) والتطور المؤسسي (المجلس القومى للمرأة) ومحاربة التمييز (تعيين قاضية).

بالطبع كان من حق الحزب الوطنى أن يطرب لهذه الإنجازات. لكن الحزب الوطنى، بناء على خبرته الطويلة فى التعامل مع الإنجازات “الكلامية”، كان حذرا فى المضى بعيدا فى التفاؤل والاحتفال بهذه التطورات المحدودة، مدركا أن عليه أن يقدم المزيد من الإجراءات. ومن هنا أكد الحزب من خلال “ورقة المرأة” فى المؤتمر أن الحكومة تعد قانون محكمة الأسرة، وأنه يواصل طريقه”في مكافحة التمييز ضد المرأة من خلال تأكيده علي حق المرأة في إعطاء جنسيتها لأبنائها”، كما يطالب (حسب ما جاء فى الورقة) بالتوسع فى المناصب القضائية التي تتولاها المرأة، وأخيرا يؤكد الحزب على أهمية العمل لضمان المساواة بين الأب والأم في منح الجنسية المصرية للأبناء (ولكن الحزب برر هذا المطلب بالحاجة إلى التغلب علي العديد من المشكلات التي تواجه أبناء السيدات المصريات المتزوجات من أجانب كارتفاع تكلفة بعض الخدمات مثل التعليم والإقامة، أى كإجراء يهدف إلى التغلب على بعض المصاعب الاقتصادية، لا كحق من جملة الحقوق المنصوص عليها فى جملة من الاتفاقيات الدولية التى صدقت عليها مصر، ولا كحق طبيعى للنساء المصريات كمواطنات).

عند انعقاد المؤتمر الثانى للحزب الوطنى (سبتمبر 2004) كانت حكومة الحزب الوطنى قد التزمت من الناحية الشكلية بالتعهدات التى قطعها المؤتمر الأول للحزب. فصدر قانون محكمة الأسرة رقم 10 لسنه 2004 (بدأ تطبيقه فى أول أكتوبر 2004)، الذى ييسر الفصل فى القضايا المرتبطة بالأحوال الشخصية، وتنفيذ الأحكام الصادرة عن هذه المحاكم؛ والقانون رقم 11 لسنه 2004 بإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة الذى يضع إطارا يضمن تنفيذ أحكام النفقة، وأخيرا صدرت تعديلات قانون الجنسية التى تضمن للنساء المصريات المتزوجات من أجانب حق منح جنسيتهن إلى أبنائهن.

وبالنسبة للمستقبل، حددت ورقة المرأة فى المؤتمر أربع مساحات لتمكين النساء، وهى: إدماج مكون المرأة فى كافة السياسات العامة ذات الصلة؛ تمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً؛ توسيع مشاركة المرأة فى الحياة العامة؛ وأخيرا القضاء على أى صور للتمييز ضد المرأة. وأشارت الورقة إلى خمسة أهداف محددة، منها أهداف قصيرة المدى، مثل إصدار مشروع قانون موحد للأحوال الشخصية، وأهداف متوسطة المدى، مثل سياسات تفعيل مشاركة المرأة فى مجال المشروعات الصغيرة وتفعيل دور الجمعيات الأهلية في تمكين المرأة المصرية وتفعيل دور المرأة فى المشاركة السياسية. وأخيرا تم تصميم هدف بعيد المدى، وهو تطبيق سياسة إعلامية لتغيير القيم والمفاهيم المؤثرة سلباً على أوضاع المرأة وتنمية المجتمع.

وبرغم أن الورقة لم توضح ماهية العلاقة التى ستحكم كلا من مساحات التمكين والأهداف من ناحية، وإدماج النوع الاجتماعى فى الخطة الخمسية 2002/2007 من ناحية أخرى، يمكن أن نرصد باختصار ما تحقق من الوعود التى ملأت ورقة الحزب فى المؤتمر الثانى، خصوصا أنه لم يتم تحويل هذه الوعود إلى خطة زمنية (على غرار الخطة الزمنية الخاصة بالأهداف الإنمائية للألفية)، ولم يتم تحويل هذه الوعود إلى مؤشرات سهلة القياس لمعرفة ما مدى نجاح الحكومة فى تنفيذ الوعود التى أطلقتها.

فى المعنى السياسى لإنجازات ووعود الحزب الوطنى

لم يقدم المؤتمر الرابع للحزب الوطنى رؤية ذات قيمة (على غرار المؤتمر الثالث) فيما يتعلق بقضايا النساء المصريات. وفى اعتقادى أن أحد أوجه النقد الرئيسية التى يجب أن تؤخذ على الحزب الحاكم هى عدم تقديمه لكشف حساب عن مدى تحقيق الوعود التى يبذلها فى هذه المؤتمرات. بل حرص الحزب الوطنى بذكاء، ناجم عن عراقته فى تسيير العمليات السياسية فى البلاد، على عدم تقديم أية آلية فى ورقته يستطيع الناس أن يحاسبوه من خلالها، بل ترك وعوده معلقة فى الفضاء؛ ولم يُلزم نفسه ببناء آلية لتحقيق وعوده عبر خطة زمنية أو برنامج عمل، ولم يحولها إلى مؤشرات سهلة القياس لمعرفة مدى نجاح الحكومة فى تنفيذها.

لقد أعتمد الحزب الوطنى على أن الحياة السياسية المصرية معين لا ينضب لهؤلاء الذين يرون فى كل أفعال الحزب خيرا، قائلين “كتر خير الحزب الوطنى”، فماذا فعلت الأحزاب الأخرى؟ بالطبع لم تفعل الأحزاب المصرية شيئا سوى التأكيد على المقولة السخيفة أن المرأة نصف المجتمع. ولكن الحزب الوطنى فى النهاية يمتلك مفاتيح اللعبة السياسية. وهو الذى اكتشف فجأة أن هناك حقوقا للنساء، وأن هذه الحقوق ليست منحة من الحاكم ولكنها وسيلة لتخفيف حدة نبرة السخط العام لدى النساء والرجال على السواء.

ومع ذلك، أستطيع أن أجازف هنا بفرضية أن الحزب الوطنى لا يملك مقومات إنجاز هذه الوعود، لأنها، برغم محدوديتها، تستلزم إعادة هيكلة بعض المؤسسات، وقدر مناسب من الانفتاح السياسى الذى لا يستطيع (ولا يرغب) الحزب الوطنى فى تحقيقه. يمكننا هنا أن نرسم صورة أولية للتقييم، لمعرفة ما إذا كان الحزب قادرا على تحقيق وعوده الكبيرة أم لا. ولدينا أربع مؤتمرات سنوية للحزب، تمثل فترة مناسبة نسبيا للتقييم، خصوصا لأنها شهدت انتهاء فصل تشريعى وبداية آخر.

شهدت هذه السنوات إقرار الفصل التشريعى الثامن (2000-2005) مجموعة القوانين عقب مؤتمر التى أشرنا لها سابقا وهى قانون قانون محكمة الأسرة وقانون إنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة والتعديلات على قانون الجنسية، (وقبلهما بالطبع قانون الخلع).

بالنسبة للقانونين الأولين (بالإضافة إلى الخلع) فقد كانا بمثابة محاولة للسيطرة على النتائج الكارثية لأوضاع وقوانين الأحوال الشخصية، متمثلة فى آلاف النساء اللاتى يبحثن فى المحاكم عن الطلاق وأحكام النفقة والحضانة وغيرها، بما يستهلك جهود المئات من القضاة ووكلاء النيابة والمحضرين، وغيرهم. المنطق ببساطة أن أى تعديل لهذا المشهد لن يخدم النساء فقط، بل سيخدم أيضا جهاز الدولة المتضخم. غير أن خدمته للمرأة كانت محدودة، فهو لم يغير ازدواج منظومة الطلاق فى مصر. فلدى المصريين نظامين للطلاق، واحد للرجال، حيث يتخذ الرجل بسهولة ومرونة قرار الطلاق، وهو قرار لا يرتب أية آثار قانونية وأخلاقية تذكر (اللهم إلا فى مجال النفقة وما يشابهها)، بينما النساء لا تستطعن التطليق إلا من خلال مجموعة معقدة من الإجراءات والإثباتات، تستمر لسنوات طوال، وربما بغير نتيجة مرضية. لم تقم الحكومة بإقرار حقوق متساوية للطرفين، بل قامت فتحت قناة جديدة للنساء، وهى الخلع، بموجبها يتمكنَّ من إنهاء علاقة الزوجية. ولكن تظل المرأة تخضع عبر هذه القناة للصلح، وعليها أن تتنازل عن كافة حقوقها المالية، وأن تذعن لرؤية القاضى، سواء كان يطبق صريح القانون أم ما تعارف عليه الناس. أما عن إنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة، فهو آلية بديلة لتنفيذ أحكام القضاء، ولكن لم يرس القانون آلية لضمان تنفيذ أحكام القضاء فيما يتعلق بالنفقة، ربما لأن حكومة الحزب الوطنى تدرك تماما أنها عاجزة عن ضمان تنفيذ هذه الأحكام.

أشارت ورقة المرأة (فى المؤتمر الثانى) إلى إصدار مشروع قانون موحد للأحوال الشخصية. ولكن المشكلة ليست فى إدماج، أو عدم إدماج، القوانين القديمة التى يرجع بعضها إلى العقود الأول من القرن العشرين، بل القضية هى أن يكون قانون للأحوال الشخصية عادلا ويضمن حقوقا متساوية، وأن يبنى على مراجعة المطالب والاحتياجات فى ظل إطار عام يحقق العدالة. غير أن هذا التطور لن يأتى من الحكومة فقط، بل من خلال مشاركة جميع الأطياف، وبتفاعل القواعد والفعاليات الاجتماعية المختلفة، والتى لن تغفل النساء المسيحيات أيضا، والذين لا نعرف سوى أنهن سقطن من حسابات الدولة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية.

أما الهدف الخاص بتفعيل مشاركة المرأة فى مجال المشروعات الصغيرة فيثير شكوكا أخرى فيما يتعلق بسياسات الحزب الوطنى. فمن ناحية، فإن أفضل التقديرات لما تم إنجازه من هذا التفعيل تشير إلى أنها أقل من محدودة، ناهيك عن أن هذه المشروعات تحتاج مصادر تمويلية ضخمة بحيث يتيح للحكومة القيام بعملية توزيع عادل لقروض المشروعات الصغيرة على أكبر قطاع من المستفيدات، بحيث لا يتجاهل جغرافية المناطق الأشد فقرا.

ولكن من ناحية أخرى لماذا تصمم الحكومة على مجال المشروعات الصغيرة؟ فى الحالة المصرية هناك أهداف أشد وطأة مثل تمكين النساء للتغلب على الفقر (وهى تختلف عن قروض المشروعات الصغيرة). لقد كان منهاج بكين ناجحا فى بلورة رؤية “عالم ثالثية” فيما يتعلق بتوضيح المساحات الحرجة لحتمية تدخل الحكومة فى مجالات مثل تحرير السياسيات الاقتصادية والبرامج من الانحياز ضد المرأة، وتقوية أنظمة الدعم القومى، وتسهيل العمل أمام عدد أكبر من النساء. هذه الجوانب غابت تماما عن رؤية الحزب الوطنى، لأنها تتطلب ببساطة إعادة هيكلة لجدوى قرارات تخفيض الدعم والخصخصة وغيرها، وهى أمور لا ترغب فيها بالطبع حكومة الحزب الوطنى.

الملاحظة الأخيرة فى مجال تمكين النساء اقتصاديا تكمن فى أن مصر من الدول التى لا تقتصر الأوضاع فيها على تأنيث الفقر، بل تمتد إلى تأنيث البطالة، حتى لدى القطاعات المتعلمة من النساء. فقد بلغت معدلات بطالة النساء في عام 1977، في ظل الموجة الأولى من تحول الدولة نحو عمليات الخصخصة، حوالى 17%، وبعد حوالي عقدين من الزمان، شهدا تحولات سكانية ضخمة ومعدل أعلي في الخصخصة، بلغت النسبة 25%. يكشف هذا المعدل ببساطة عن عجز سافر للدولة عن توفير فرص العمل للنساء (أكثر القطاعات المجتمعية في نسبة البطالة)، كما يكشف عن الخلل فى تخطيط السياسة الاقتصادية للدولة بين الحضر والريف، حيث تبلغ نسب بطالة النساء الحضريات 30% (مقابل 7% من الرجال) بينما تقل هذه النسب في المناطق الريفية إلى 20% للنساء مقابل 5% للرجال.

إذا كانت حكومة الحزب الوطنى لا ترغب بوضوح فى العمل على إعادة بلورة سياسات جديدة تهدف إلى الحد من الفقر، فماذا عن الهدف الكارثى الخاص بتفعيل دور الجمعيات الأهلية في تمكين المرأة المصرية؟ منطق الحكومة ببساطة هو خلق قطاع أهلى يسد نقص غياب الدولة فى مساحات واسعة من الأنشطة ويحاول تخفيف حدة الآثار الاجتماعية لهذا النقص. ولكن للحكومة شرط مركزى تفرضه على هذا القطاع، وهو هيمنتها على نشاطه وأفعاله. ولذلك صممت قانونا يقيد الإطار العام المنظم لعمل هذا القطاع، وهو القانون 84 لسنة 2002. فماذا يُنتظر من جمعيات أهلية تعوقها ترسانة من الإجراءات اللائحية؟ وحتى إذا استطاعت بعض المنظمات أن تحصل على رخصة العمل بناء على آليات التقاضى (بشرط أن يكون قاضيا يطبق المعايير الدستورية لحقوق الأفراد فى التنظيم)، يظل الإغلاق وعدم الإشهار مصير الباقى.

على أن هناك ملاحظة أخرى، هى أن التمكين فى نظر الحكومة المصرية مجرد تصميم بعض البرامج، وإسناد مجموعة من المناصب فى جهاز الدولة للنساء، وإنشاء مؤسسة وطنية لقضايا المرأة. فى هذا السياق فإن كل الجمعيات الدفاعية العاملة فى قضايا المرأة لا وظيفة لها. فالعنف ضد النساء (ممثلا فى الختان واغتصاب الزوجات والتحرش الجنسى) والتمييز (المتمثل فى مجالات العمل والتعليم والأحوال الشخصية) تخرج بشكل شبه كامل من مفهوم الحزب الوطنى للتمكين. فلو كانت الحكومة تنوى بالفعل أن تعمل على تمكين المرأة لكان الأولى بالحديث ليس تفعيل دور الجمعيات الأهلية ولكنه ببساطة رفع العوائق والقيود أمام الجمعيات الأهلية حتى تستطيع أن تؤدى دورها فى تمكين النساء. كما كان عليها أن تجلس بتواضع مع الناشطات فى محاربة التمييز والعنف ضد النساء حتى تستفيد من حجم ونوعية تجاربهن فى هذا الصدد، ومدى نجاحها وفشلها، والدروس المستفادة منها على وجه الإجمال.

لقد صمم الحزب الوطنى وحكومته ما هو أكثر من مجرد مجموعة من الوعود، لقد صمم مفاهيمه الخاصة عن التمكين والتمييز. وهى إجراءات من شأنها أن تظل فى النهاية أسيرة قرارات سياسية فردية وعشوائية. يتطلب التمكين فى النهاية بث روح من الأمل فى المستقبل، وأن تمكين النساء لا يعنى قهر الرجال، بل يعنى ببساطة إعادة إنتاج سياسة من نوع آخر تقوم على المشاركة والتوافق بين مختلف الفاعلين. سياسة ترى فى محاربة التمييز ضد النساء أكثر من مجرد بنية قانونية، وإنما تعنى بناء آليات رقابة فعالة لتطبيق القانون فى المحاكم وفى أقسام الشرطة وفى غيرها من المؤسسات. وتعنى أيضا تصميم بنية تقاضى مرنة وعادلة لا تستنزف البشر فى أروقتها. يعنى التمكين التنبه إلا أن قضايا النساء ليست صراخا وعويلا ولا هى ابنة التغريب. وهى أيضا تعنى إدراك موقعنا بين الأمم، بأن ننظر إلى بعض المؤشرات الخاصة بمقياس تمكين النوعGEM) ) مثلا، والذى حصلت مصر وفقا له على 0.266 فى مقابل 0.908 لأعلى بلد فى العالم وهى النرويج. وفى مؤشرات التنمية البشرية احتلت مصر المركز الخامس والسبعين (من 87 بلدا فى العالم) فيما يتعلق بالمرأة. وفى عام 2005 وفى دراسة دولية للمنتدى الاقتصادى العالمى، شملت 58 دولة، جاءت مصر فى المركز الأخير فيما يتعلق بتمكين المرأة. وأظن أن هذه الإحصائيات هى أبلغ دليل على المدى الذى وصلت إليه إنجازات الحزب الوطنى فيما يتعلق بأوضاع النساء فى مصر.

لقد جازفت فى السطور السابقة بطرح فرضية أن حكومة الحزب الوطنى غير راغبة فى تحقيق تغير جوهرى فى أوضاع النساء، ليس فقط بسبب محدودية إجراءاتها، وانعدام دوافعها لإجراء تغيير جوهرى، وإنما أيضا لأن الحكومة التى تقوم بإنشاء مجلس قومى للنساء، وتطلق وعودا هنا وهناك عن تمكين المرأة، وتتغنى بحربها على التمييز ضد النساء، هى نفسها تلك الحكومة وحزبها اللذان قاما، على مرأى ومسمع من الجميع باستئجار بلطجية لهتك عرض النسوة اللاتى يرغب فى تمكينهن. وهى حكومة الحزب التى تواطأت علنا مع سلسلة من جرائم التحرش الجنسى الجماعى فى يوم “العيد الأسود”.

لا تكمن أهمية مؤتمر الحزب الوطنى الأخير فى تدشين حركات سينمائية من عينة البرنامج النووى السلمى أو التمهيد للتوريث، بقدر ما تكمن فى الإعلان عن نجاح الحزب فى خطواته للإجهاز على ما تبقى من منافذ المشاركة السياسية. لقد كان المؤتمر ببساطة أقرب إلى سرادق عزاء كبير، كُتب علي لافتته “لا عزاء للسيدات”.

++++

منشورة في العدد الرابع من مجةل البوصلة، يوليو 2007

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s