فى ذكرى إعدام محمود محمد طه: البحث عن بديل للتصفية الجسدية للمختلف

صادف 18 من شهر يناير الماضى الذكرى الثانية والعشرين لإعدام المفكر السودانى الإسلامى محمود محمد طه بتهمة الردة عن الإسلام، فى سابقة تاريخية هى الأولى من نوعها فى التاريخ العربى الحديث، حيث لم يحدث أن ارتقى مفكر عربى المقصلة بسبب “آرائه” الفكرية و التى اعتبرتها “الدولة العربية” ارتدادا عن الإسلام. نعم لقد شهد التاريخ العربى قبل و بعد 1985 –تاريخ إعدام المفكر محمود محمد طه-حالات متعددة صدرت فيها قرارت التصفية الجسدية لمفكرين و نقاد وأصحاب رؤى، لكن لم تقم “الدولة العربية الحديثة” من قبل بنزع حياة أحد من الكتاب أو المفكرين أو الباحثين بسبب آرائه السياسية او الفكرية و التى يتوهم أنها تحمل فى طياتها ردة عن الإسلام. 
فمثلا عندما تم إعدام المفكر الإسلامى سيد قطب فى أغسطس من عام 1966 كان السبب هو خلفية إنتمائه لجماعة الإخوان المسلمين وإتهامه بمحاولة قلب نظام الحكم فى مصر الناصرية. و فى أبريل من عام 1980 قام صدام حسين بإعدام المفكر الشيعى البارز محمد باقر الصدر وكان السبب هو خلفية إنتمائة لحزب الدعوة الإسلامى. و فى يونيو من عام 1992 تم اغتيال المفكر المصرى فرج فوده، و كان السبب ان القوى صاحبة التخطيط الفكرى و الميدانى لإغتياله لم تر مانعا من إستخدام آداة التصفية الجسدية كآداة سياسية، و هو نفس السيناريو الذى تكرر لاحقا مع الأديب الكبير نجيب محفوظ فى عام 1993 على خلفية روايته “أولاد حارتنا”، و لكن قدر الله ألا يرحل الرجل فى هذه المؤامرة الدنيئة لكنه ظل لمدة الـ 13 عاما اللاحقة للحادثة يشكو من التوابع الصحية و النفسية لمحاولة الإغتيال هذه. كذلك لا يمكن أن ننسى جرائم الخطف و الإختفاء والتى كانت أبرزها حادثة خطف(وقتل) المعارض اليسارى المغربى المهدى بن بركة و ذلك فى العاصمة الفرنسية باريس فى عام 1965.

عودة عصر المأمون
تلخص هذه البانوراما السريعة سياسة النظم العربية و بعض حركات الإسلام السياسى التى تسير بعقلية غريبة حيث الرصاصة ضد القلم. و فى هذا يمكن القول أن عالمنا العربى المعاصر يشهد إحياءا لمحن بعض الشعراء فى زمن المأمون عندما نصبت محاكم الزندقة لتصفيتهم جسديا.تؤكد قسمات المشهد الراهن أن عصرنا العربى قد مد حبال المودة مع عصر المأمون، حين كانت تصفية الجسد هي المنطق الوحيد للتصفية الفكرية لمن حاول الخروج عن المألوف و السائد، و فى الغالب فإن هذا “المألوف” لم يكن هو “العرف”، أو بمعنى آخر ما تعارف عليه الناس من أفكار و رؤى، تشكل بدورها التقليد الفكرى المسيطر، و إنما مثل المألوف حالة تقوم السلطة بإعتمادها بطريقة لا تختلف عن إصدارها أى قرار إدارى. و سواء كانت هذه السلطة هى سلطة الدولة، أو هى سلطة قوى اجتماعية معينة، إلا أن النتيجة واحدة و هى إضفاء الشرعية على نمط معين من التفكير، و بطلان ما عداه.
أزعم هنا أن ما حدث مع محمود محمد طه كان مختلفا، إذ يمثل إعدامه حالة متطرفة من “الهذيان السياسى”، لم يحمل الرجل سلاحا بل قلما، كان شعاره “الحرية لنا و لسوانا”، أراد لسودان جديد أن يبن على قيم الحرية و الكرامة و المساواة ، حتى يكون سودانا لكل أبنائه بغض النظر عن “درجة لون البشرة” خصوصا و أن لون البشرة سيكون مفتاحا لفهم أطول حرب أهلية شهدتها القارة الإفريقية و التي دارت رحاها لأكثر من عقدين من الزمان ( منذ 1983) وراح ضحيتها ما يقارب مليوني سودانى، هذا بالإضافة إلى المآسي و الخراب الذي سببته هذه الحرب. أراد الرجل فى النهاية أن يجتهد، و لكن أراد جعفر النميرى شيئا آخر، و هو تصفية الرجل تماما، فطه كان بمثابة الخصم اللدود لمشروع الهوس السياسى الذى طرحه النميرى.

محطات الأستاذ
ولد المفكر والداعية محمود محمد طه،أو “الأستاذ” كما يفضل الإخوان الجمهوريون الإشارة إليه، فى عام 1909 فى إحدى مدن وسط السودان، و تخرج من كلية جرودون التذكارية فى عام 1936،عقب الحرب العالمية الثانية قام “طه” بتأسيس الحزب الجمهورى، كتنظيم سياسى مناهض للإستعمار. تمثلت رؤية هذا الحزب فى أن السودان مهيئ لإستقلال تام و كامل عن دولتى الإستعمار وقتها (بريطانيا، و مصر). وعلى إثر النشاط المبكر للحزب تم إعتقال طه لمدة عام. و بعد مضى أشهر معدودة على إطلاق سراحه تم القبض عليه ثانية و سجن فى هذه المرة لمدة سنتين. بعد خروجه من المعتقل توقف “طه” عن العمل السياسى (يقال أنه أمضى ثلاث سنوات معتكفا).
فى أواخر عام 1951 بدات مرحلة جديدة فى حياة “طه” حيث أعلن طرحه الخاص بـ ” المذهبية الاسلامية الجديدة”. و من ثم تحول الحزب السياسى إلى مجموعة منظمة من الأفراد يسعون إلى تطوير الشريعة الإسلامية و بناء نسق فلسفى إسلامى جديد. تميزت هذه المرحلة من حياة “طه” بـ “الكتابة”،و التى دشنها بكتيب سماه” قل هذه سبيلى”(صدرعام 1952)،و فيه تناول ببعض من التفصيل البرنامج الخاص بالحزب الجمهورى طارحا شعاره التاريخى”الحرية لنا و لسوانا”، و كذلك مبدأ الحزب المتمثل فى “تحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة والحرية الفردية المطلقة”. فى عام 1955 أصدر “طه” كتاباًَ آخرا هو” أسس دستور السودان”، و فى العام التالى أصدر كتاب حمل عنوان “الاسلام”، و الذى غلب عليه سجال تلك المرحلة حول علاقة الإسلام بالعلم، و فيه ناقش “طه” هذه العلاقة لكن دون أن يأتى بجديد على مستوى التحليل عما كان سائدا فى النقاش العام العربى حول هذه العلاقة.إلا أن أهمية هذا الكتاب تكمن فى أنه حمل البداية الحقيقية لبلورة قناعات و صياغات فكرية جديدة خاصة بمفهوم الرسالة الثانية.فى عام 1966 أخرج طه كتابيه “رسالة الصلاة” و “طريق محمد”، ليمهدا الطريق لصدور كتاب “طه” الأشهر ” الرسالة الثانية من الإسلام” والذى صدرت طبعته الأولى فى يناير من عام 1967.

حول الرسالة الثانية من الإسلام
يمثل هذا الكتاب لحظة هامة على الصعيد الفكري فى العالم العربى، حيث يمكن قراءة هذا الكتاب فى سياق جملة الكتب التى أرخت لدور الفكر فى التمهيد للهزيمة السياسية والعسكرية ومن ثم الفكرية التى أفضت إلى نكسة 1967(مثل كتابى نقد الفكر الدينى لصادق جلال العظم، والأيدلوجية العربية المعاصرة لعبد الله العروى). كما يمكن قراءته على انه بحث فى أصول الفقه و محاولة بناء منظور حضارى جديد و رؤية فلسفية مختلفة عن التقاليد الفكرية المسيطرة فى العالم العربى.
قدم هذا الكتاب طرحاً لم يألفه الفكر العربى كثيرا، و هذا الطرح يتعلق بتقديم تصور مختلف لموقع الفرد فى منظومة العلاقات الإجتماعية. عند طه الفرد فى الإسلام هو الغاية و كل ما عداه وسيلة إليه. و هذه الفردية هى مدار التكليف و التشريف. و بالطبع ستحيل هذه الرؤية إلى محاولة فك التناقض ما بين الفرد و الجماعة، و التى يقدمها طه كالتالى، حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة،امتدادا لحاجة الجماعة إلى العدالة الإجتماعية الشاملة، و من الناحية الفقهية فالفرد هو العبادات، والجماعة هى المعاملات. و ينتهى “طه” إلى تقديم محتوى أخلاقى لهذا المنظور الفلسفى و هو أنه “ليست للعبادة قيمة إن لم تنعكس فى معاملتك الجماعة معاملة تعد هى فى حد ذاتها عبادة”. يمضى الكتاب فى مناقشة القضايا المتعلقة بعلاقة الفرد والجماعة وحدود إرادة الفرد، حتى يصل إلى فصله الخامس والذى يعرض فيه للرسالة الأولى و التى هى رسالة المؤمنين. حيث أورد “طه” مجموعة من النتائج الفقهية الخطيرة ،وقدم حصرا لثمانية قضايا رأى أنها ليست أصولا فى الإسلام،هذه القضايا هى الجهاد، الرق، الرأسمالية، عدم المساواة بين الرجال و النساء، تعدد الزوجات، الطلاق، الحجاب، المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه.

ملاحظات
تثور هنا عدة ملاحظات عامة حول رؤية “طه” لإعتبار هذه القضايا بأنها ليست أصولا فى الإسلام. فمن ناحية أولى لم يقدم “طه” تفسيرا نظريا قويا للأسباب التى دفعته إلى القول بهذه النتائج، كما أنه أوجز إيجازا شديدا فى تفسيره لإعتبار هذه القضايا ليست اصولا فى الإسلام (بمعدل نصف صفحة لكل ملمح). أي أن “طه” إشتبك مع منظومة فقهية تاريخية لها أسانيدها وفقهائها ودارسيها و آثر أن يرد عليها و ينقدها فى سطور معدودة. و من ناحية ثانية نجد أن “طه” لم يكن متفردا فى طرح هذه القضايا، فمثلا فى قضية الرأسمالية يبدو كتاب سيد قطب “معركة الإسلام و الرأسمالية” أكثر عمقا من ناحية التنظير فى الإشتباك مع الرأسمالية من منظور إسلامى، و ربما يضاف إلى كتاب سيد قطب كتاب “إشتراكية الإسلام” للشيخ لمصطفى السباعى. و فى قضية الرق يبدو انها حالة “محلية” خصوصا و انها أضحت غير مطروحة على بساط أى نقاش فكرى فى العالم العربى منذ أوائل القرن العشرين (بإستثناء السعودية التى ألغت الرق فى عام 1964)، و فى حديث “طه” عن الجهاد أنه ليس أصلا فى الإسلام نجد أن كلام “طه” التفصيلى لا يعنى أن الجهاد ليس أصلا، كما أنه يمكن القول أن الإجتهادات المعاصرة حول الجهاد تقدم رؤية أرقى وأكثر نضجا خصوصا تلك الإجتهادات التى لا تحصر الجهاد فى العمل العسكرى ، و ترى أنه ممارسة واسعة تشمل جهاد النفس، و العمل الجاد من أجل السيطرة على مقدرات الأمة، و الحيلولة دون تعرضها لأى شكل من أشكال الإستغلال. كما تشير بعض الإجتهادات حول الجهاد إلى تجاوز لمنطق لمنطق دار الحرب ودار الإسلام، لصالح ظهور دار التعايش.

تحالف النميرى و الأخوان
و كان من البديهى بالطبع أن تسبب هذه الأطروحات نقاشا وردود أفعال واسعة ومتباينة، لكن تباين ردود الفعل هذه أفضى إلى أن تكون “الدولة” هى الطرف صاحب رد الفعل الأكثر تطرفا، و هو ما تمخض عنه تقديم “طه” فى عام 1968 إلى محكمة الردة و الحكم بإرتداده عن الإسلام. لتمثل بذلك بروفة حقيقة لما سيحدث فى عام 1985. لاحقا و بالتحديد فى 25 مايو 1969 جاء جعفر النميرى على قمة إنقلاب عسكرى، قام على إثره بتصفية دموية لبعض بؤر المعارضين، ليمهد الطريق أمام تأميم السياسة فى إستلهام واضح للتجربة الناصرية. وبالطبع لم يتسامح نظام مايو إطلاقا مع الأفكار التى يطلقها “طه” فى غدواته وروحاته. فصدر قرار بمنعه من إلقاء المحاضرات العامة فى 1975. لكن فى هذه اللحظة التى صدر فيها قرار المنع، كان قد مر على خروج أفكار طه إلى المجال العام اكثر من ربع قرن، و هو ما يعنى أن هذه الأفكار قد سلكت طريقا إلى عقول جيل جديد خصوصا فى الجامعات السودانية، حيث نشط الجمهوريون فى عرض هذه الأفكار فى الشكل الحوارى الذى يعرف فى الجامعات السودانية بأركان النقاش.
فى لحظة تالية (أواخر عام 1976) تم إعتقال طه، ليجدد ذكرياته فى المعتقلات و لكن بفارق بسيط هو أن هذه المعتقلات ليست معتقلات المستعمر بل معتقلات سودان ما بعد الإستقلال. وعلى هذا تميزت العلاقة بين “طه” و نظام مايو بالشد والجذب حتى تم إعتقاله مرة أخرى، و فى هذه الأثناء صدرت قوانين سبتمبر 1983 الخاصة بتطبيق الشريعة الإسلامية. والتى تمثل مرحلة منحطة من الإنتهازية السياسية حيث تم فيها إستخدام ورقة الدين لسحق المعارضة ولكسب الشرعية. إلى جانب أن هذه التجربة لا تقدم إطلاقا محاولة للإجتهاد بقدر ما تمثل تعبيرا عن تحالف غريب ما بين جعفر النميرى و”الإخوان المسلمين” فى السودان. لقد أراد النميرى الإمساك بكافة خيوط اللعبة السياسية فى الداخل السودانى عن طريق التحالف مع الإخوان المسلمين. وكما يشير منصور خالد (فى كتابه النخبة السودانية و إدمان الفشل، جزء1 ص 613) أن الإخوان الذين وصفوا نظام النميرى على انه “النظام العسكرى البشع” قد تحالفوا معه. إلى الدرجة التى قدم فيها الترابى وصفا لجعفر النميرى على أنه “مجدد المائة” (المرجع السابق ص 619). فى الأسابيع الأخيرة من عام 1984 تم الإفراج عن”طه”. و الذى قام بدوره بكتابه بيانه الشهير “هذا أو الطوفان!”، وهو البيان الذى إعتقل و أحيل إلى المحكمة بسببه، و صدر حكم الإعدام ضده. وبعد ذلك الحكم باسبوع واحد فقط أصدرت محكمة الاستئناف حكمها بتأييد الحكم ، بعد أن قامت بتحويل الحكم من معارضة للسلطة واثارة للكراهية ضدها، إلى اتهام بالردة ، و فى يوم 17 يناير 1985 صادق النميرى على حكم الاعدام وفى اليوم التالى 18 يناير 1985 تم تنفيذ حكم الإعدام فى “طه”.

الحضور المصرى فى تجربة طه: بين إستعارة “هذا أو الطوفان” و عبد الحميد كشك
فى أغسطس من عام 1952 و بينما تحاول النخبة العسكرية الجديدة فى مصر تحسس طريقها، بعث محمود محمد طه برسالة إلى اللواء محمد نجيب و التى قال فيها “وإنه لحق أن العهد القديم قد بلغ من الفساد حدا يكاد يجعل أي عهد يأتي بعده، مهما كان حظه من الإصلاح ضئيلا، عهدا مقبولا”، ثم يمضى ناصحا نجيب بضرورة أن يتفادى سوء المنقلب و ذلك بـ “الحزم، والفهم.. أما الحزم فيقضي بأن تتولى كل أمور مصر بنفسك وأن تكون، في غير مواربة، ولا رياء، المسئول الأول والأخير، أمام الشعب المصري، وأمام العالم أجمع، عن إستقرار العهد الجديد في البلاد”. بعد هذا الخطاب بست سنوات بعث طه خطابا آخرا إلى جمال عبد الناصر يحذره فيه أن تأميم قناة السويس قد ساهم بشكل بآخر فى جعل الطريق معدا أمام الشيوعية الدولية لتكيد كيدها وتنفث سمومها. لن أدخل هنا فى تحليل لهذه الرؤية والتى تبدو سطحية للغاية و تحمل من الموعظة أكثر من الإلمام بما كان يجرى فى مصر وقتها، لكن تدلل هاتان الرسالتان على أن مصر كانت حاضرة بقوة على المستوى السياسى وحاضرة أيضا على المستوى الفكرى فى تجربة طه، فقد إشتبك طه فكريا مع رؤية لطفى السيد حول التربية وذلك فى عام 1951 ، و فى نفس العام إشتبك “طه” مع خالد محمد خالد حول كتاب الأخير “من هنا نبدأ”، و هو أحد أشهر الكتابات المصرية حول مسألة الدولة الدينية، وللغرابة فإن طه لم يقرأ الكتاب و إنما قرأ عرضا له فى صحيفة الرأى العام السودانية، و إشتد على خالد فى النقد فقال أنه “رجل غير عالم، من أي النواحي أتيته: هو غير عالم بأصول الدين.. غير عالم بسير التاريخ.. غير عالم بمبادئ السياسة”. كما إن طه قد إشتبك أيضا مع أقوال للعقاد وطه حسين، و كذلك مصطفى محمود على خلفية كتابه “القرآن، محاولة لفهم عصرى” الذى صدر فى عام 1970.
إذن لمصر حضور واضح عند “طه”، و على الرغم من الأوصاف القاسية التى ألحقها “طه” بخالد محمد خالد إلا أنه قد إستعار من خالد أحد عناوين كتبه “هذا أو الطوفان” ليعنون به بيانه الشهير ، أي أن حضور مصر فى تجربة طه قد تمثل فى إتاحة مساحة للإشتباك الفكرى والسياسى مع شخصيات مصرية، ولكن و للأسف كانت هناك مساحة حضور أخرى مختلفة للغاية من حيث أنها قدمت بساط الشرعية لإنهاء حياته.
مقصدى هنا هو ما ورد فى كتاب صغير الحجم كتبه أحد ضحايا معارك التصفية الجسدية و هو فرج فوده. فى هذا الكتاب”قبل السقوط”، أورد فودة مقتبسات لرد فعل شيوخ الإسلام بمصر على تطبيق الشريعة الإسلامية فى السودان.سأعرض هنا بعض هذه الإقتباسات ، و سأبدها بالكلام الأشد قسوة على لسان الراحل الشيخ عبد الحميد كشك الذى قال “إن الحملة التى يتعرض لها الرئيس نميرى الآن بسبب تطبيق الشريعة الإسلامية-قد تعرض لها من قبله سيد الأنبياء و المرسلين،و تعرض لها جميع دعاة الإصلاح،و قد عودتنا الحياة أن القافلة تسير مهما كانت الذئاب تعوى ،و هل يضر السحاب نبح الكلاب؟”،و إذا كان الشيخ كشك الذى و ضع النبى (ص) و جعفر النميرى فى سلة و احدة و نعت المعترضين بأنهم كلاب ، إلا أن وصف الراحل الشيخ محمد الغزالى كان أقل حدة ، حيث قال “و أعتقد ان السودان لا يهنأ بشئ كما يهنأ بهذه المرحلة النقية الطيبة،التى جعلته يتخلص من وباء الأحكام الوضعية”. و لم يفت الراحل الشيخ عبداللطيف حمزة مفتى الديار المصرية أن يقول (فى صيغة شديدة الرسمية) “إننا جميعا فى مصر شعبا و حكومة نرحب كل الترحيب بتطبيق الشريعة الإسلامية فى السودان الشقيق و نحيى الزعيم المؤمن الرئيس جعفر محمد نميرى”(أظن انه من المهم الإشارة إلى أن الرئيس المصرى ذاته قد قابل بونا مالوال-سياسى جنوبى- و قال له “إذا أراد الشعب السودانى إسقاط النظام فلن نرفع يدنا لندافع عنه”). سأنهى الإقتباسات هنا مع أخطرها دلالة و هو الخاص بالشيخ عمر التلمسانى، الذى قال “إن هذه الخطوة الذكية، لن تمر بهدوء أو فى صمت،عند الذين لا يريدون أن يروا نور الإسلام مشرقا على ربوعه….. فعلى القائد الحصيف أن يحذرهم وأن يكبح جماحهم، وألا يفسح لهم فى غيهم بحجة حرية الراى و الكلمة، فالحرية تكون فيما يضعه البشر لأنفسهم و اما شرع الله فلا نقاش فيه”. تحتاج هذه الأقوال إلى مراجعة جادة من أجل تقديم كشف حساب حول الأصوات الفكرية التى أنطلقت من بلاد وادى النيل لتؤيد تلك التجربة المظلمة فى تاريخ السودان. خصوصا و أن هذه الأقوال قد واجهت سوء المآل. فى شهرى مارس و أبريل من عام 1985 قامت فى السودان إنتفاضة شعبية ضد نميرى و ضد الهوس الدينى و ضد إستخدام الإسلام كآداة لتصفية المعارضين و الأهم أنها جاءت ضد مرحلة نميرى النقية و ضد السحاب فى الفضاء. أطلق الناس فى السودان إسم “ماريل” على هذه الإنتفاضة، بإستخدام أول حرفين فى مارس و آخر ثلاث حروف فى أبريل. كانت ماريل بمثابة الطفلة التى ولدت فى جو حكمته الإنتهازية السياسية، وترعرت على صيحة “طه” ضد الهوس الدينى، و خلال شهرى مارس و أبريل بلغت هذه الطفلة الرشد و عصفت بنظام نميرى. هل كانت هذه الإنتفاضة ضد الإسلام؟ بالطبع لا ، لقد كانت بشكل أو بآخر صرخة عالية تدين أصوات المساندة التى أطلقها شيوخنا الأجلاء من أرض مصر.

هذا أو الطوفان:

لكن سيظل لمصر دورا آخرا فى التصدى لتجربة الخرافة السياسية، ألهمت مصر عن طريق أحد مفكريها الأجلاء “خالد محمد خالد” الإخوان الجمهوريين و الأستاذ محمد طه من أن يستخدموا عنوانا موحيا لأحد كتب خالد محمد خالد ليجعلوه بيان ضد نميرى، صدر البيان الذى حمل عنوان “هذا أو الطوفان” بتاريخ 25 ديسمبر 1984، و هو بيان عبارة عن صفحة واحدة يتكون من ثلاث فقرات و ثلاث مطالبات، فى الفقرة الأولى يتحدث البيان عن غايتين للإخوان الجمهوريين هما الإسلام و السودان، و فى الفقرة الثانية إشتباك فقهى مع منظومة تطبيق الحدود، فتحدث البيان عن النتيجة السياسية المباشرة و هى ان قوانين سبتمبر ” شوهت الإسلام في نظر الأذكياء من شعبنا ، وفي نظر العالم ، و أساءت إلى سمعة البلاد”. تلا ذلك الإشارة إلى النتيجة الفقهية و هى أن ” هذه القوانين مخالفة للشريعة ، و مخالفة للدين” و من أشكال مخالفتها أن هذه القوانين ” أباحت قطع يد السارق من المال العام ، مع أنه في الشريعة ، يعزر و لا يحد لقيام شبهة مشاركته في هذا المال” و من ناحية أخرى أضافت هذه القوانين إلى الحد ” عقوبة السجن ، و عقوبة الغرامة ، مما يخالف حكمة هذه الشريعة ونصوصها”، كذلك هناك منطق آخر و هو أن هذه القوانين ” قد أذلت هذا الشعب ، و أهانته ، فلم يجد على يديها سوى السيف ، والسوط “، و فى النهاية ” تشاريع الحدود و القصاص لا تقوم إلا على أرضية من التربية الفردية ومن العدالة الاجتماعية ، وهي أرضية غير محققة اليوم”. و إختتم البيان بطرح ثلاث مطالب، الأول خاص بإلغاء هذه القوانين،وتمثل فى حتمية الحل السياسي و السلمي ، بدل الحل العسكري فى قضية الجنوب.أما المطلب الثالث فهو “إتاحة كل فرص التوعية ، و التربية ، بهذا الشعب ، حتى ينبعث فيه الإسلام في مستوى السنة (أصول القرآن) فإن الوقت هو وقت السنة ، لا الشريعة (فروع القرآن)”، و ذلك لانه يكمن في هذا البعث ” الحل الحضاري لمشكلة الجنوب ، و لمشكلة الشمال ، معا‍ … أما الهوس الديني ، و التفكير الديني المتخلف ، فهما لا يورثان هذا الشعب إلا الفتنة الدينية ، و الحرب الأهلية”.
و بنهاية هذا البيان الذى تسبب بعد فترة وجيزة فى إدانة “طه” بالردة، تنتهى الدراما المصرية التى أوردها فوده والسابق الإشارة إليها، لقد إستخدم “طه” عنوانا كتبه شيخ مصرى ليرد به عمليا على كلمات صدرت من أفواه شيوخ من مصر. ذهب محمود محمد طه لأنه حاول أن يكشف زيف “المرحلة النقية الطيبة” على حد تعبير الشيخ محمد الغزالى، خصوصا و ان طه قد وقف أمام التيار الجارف الذى رأى فى النميرى رئيسا مؤمنا، وسحابا فى الفضاء، لقد تم قتل طه لأنه كان يحلم بسودان حيث الجميع ينعم بالحرية، و هو الحلم الذى هدد أركان عرش أولئك الذين حاولوا إحتكار الحرية واستباحوا إسترقاق للآخرين.
محمود محمد طه و الموقع فى خريطة الأفكار العربية
لا يستمد “طه” اهميته فى الحركة الفكرية و السياسية العربية المعاصرة من كونه زعيم حزب سياسى، فعلى الرغم من أن تاريخ الحزب الجمهورى يرجع إلى عام 1945 ، إلا أن الحزب قد تحول فعليا إلى شكل أقرب إلى دائرة من “المريدين” حول أفكار الأستاذ، و هو ما يعنى أن محمود محمد طه قد إبتعد أكثر فاكثر عن محاولة بناء “شكل تنظيمى و مؤسسى” لصالح مهمة نشر الأفكار عن طريق دائرة المريدين هذه. و هو الأمر الذى يكاد يكون تكرارا للحلقة التاريخية مع جمال الدين الأفغانى في مصر فى أواخر القرن التاسع عشر، بمعنى الداعية و المصلح الدينى الشامل و الذى يركز على إصلاح الشريعة و البحث الدائم عن مفردات الإستقلال الوطنى. لكن لا يعنى هذا أن “طه” كان رجلا تقليديا، فنظرته إلى المرأة و حضورها القوى فى حركة “الإخوان الجمهوريين” يكشف أن الرجل قد حاول ممارسة التوظيف الشامل للأفراد بغض النظر عن كونهم رجالا أو نساءا.
كذلك تجدر الإشارة إلى أن طه ركز فى خطابه على تجاوز نطاق الفقه التقليدى المشغول بالأبعاد التقليدية للحرام و الحلال، لبحث فى أطر جديدة للمواءمة ما بين العقل و النقل، ما بين الحاضر و نصوص القرآن. جاء محمود محمد طه بطرح إعاده التفكير فى تعريف الحرام و الحلال، فى الممنوع و المسموح، و أن الأصل فى الأشياء الإباحة وليس المنع، من خلال الكشف عما أستجد فى ممارسات الفرد و الجماعة. و كان الهدف من هذه الأفكار هو التسكين بمفردات التعايش الدينى و العرقى فى الداخل السودانى. أتاح هذا المنظور لطه أن يقوم بإبداع مقولات و صياغات جديدة و فريدة تستهدف بناء دولة قائمة على الحرية السياسية و الدينية، شعارها”الحرية لنا و لسوانا”.
وهناك أهمية أخرى فى التراث الفكرى “لطه”، لقد بدأ طه مرحلة الكتابة المكثفة منذ أوائل الخمسينات، فى ظل سياق مجتمع يتمتع بسطوة للثقافة الشفهية و النقل الشفهى. مثل فعل الكتابة تعبيرا عن الرغبة فى التغيير من ناحية، و تعبير آخرا عن ولع “طه” بالفكر و المفكرين. فمثلا قام طه بإهداء الجزء الأول من كتابه “أسئلة و أجوبة” إلى “إلى كل كريم، مؤمن بكرامة الفكر”. كما كان للكتابة ملمح آخر و هو رغبة “طه” فى تقديم منظومة متكاملة من الحلول و الردود، فعلى سبيل المثال قام طه فى الكتاب سابق الذكر بالإجابة على أسئلة متنوعة طرحها نفر وصفهم بأنهم “فضلاء ينفتحون على العرفان…. ومهتمون بقضايا الفكر المعاصر”. وتختلف هذه الإجابات طولا و قصرا، تفصيلا و إختصارا، و تختلف موضوعاتها من أسئلة حول وجود الله، و قضية خلق القرآن وصولا إلى أسئلة حول الطهارة. و تختلف الإجابات أيضا فبعضها مناقشة فلسفية و بعضها على أسلوب حكمى،فمثلا ورد سؤال لطيف مفاده”إلى أى حد تؤمنون بأن الغاية تبرر الوسيلة؟”، و كانت الإجابة الغاية لا تبرر الوسيلة، و لكنها تحددها، لأن الوسيلة طرف من الغاية …. فالغاية العليا، كالحرية، لا يمكن التوسل إلى منازلها بالوسيلة الدنيا، كالنفاق مثلا.

و فى النهاية تبقى كلمة 
فى شريط الفيديو الذى صور بعض المشاهد لمحاكمة طه، نرى “طه” يتحدث حديثا مرتجلا ردا على سؤال المحكمة عن رأيه فى قوانين سبتمبر، ورد طه أن هذه القوانين ” مخالفة للشريعة وللإسلام” و ان هذه التجربة قد “شوهت الشريعة،وشوهت الإسلام،ونفرت عنه” و أضاف أن هذه القوانين قد “وضعت،واستغلت، لإرهاب الشعب”. بهذه الكلمات القليلة ختم محمود محمد طه سيرته الذاتية. و هى سيرة ظلت تنبذ الحرب، و ظلت تؤكد على المساواة و الحرية للجميع. سيرة تجاوزت حدود المألوف الفكرى و السياسى. سيرة حاولت جاهدة بناء “الأمة” السودانية القائمة على المواطنة. وهو الحلم الذى يصارع سودان اليوم و الغد لتحقيقه.

++++

بقلم: أحمد زكي عثمان
نشر المقال في جريدة القاهرة
بتاريخ 20 فبراير 2007
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s